في ذكرى العاشر التاريخ يعيد نفسه

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

  العاشر من رمضان 1393هـ الموافق السادس من أكتوبر 1973م محفور في ذاكرة المصريين , بل ذاكرة العرب وذاكرة كثير من دول العالم وسياسييه ومفكريه ومنظريه , ولا سيما في مجال الدراسات العسكرية والاستراتيجية , فقد استطاع الجيش المصري كبح جماح العدو الصهيوني , وكسر شوكته , وتحطيم أسطورة جيشه الذي كان يقال : إنه لا يقهر , وعبور خط بارليف الذي كان يقال إنه لا يُعبر.

  وما زالت قواتنا المسلحة الباسلة ومعها رجال الشرطة البواسل يقدمون كثيرًا من التضحيات , ولا تزال مواجهتهم لفلول الإرهاب وعناصره مناط تقدير واعتزاز , وآخرها تلك العملية العظيمة سيناء 2018م التي تقوم بها قواتنا المسلحة الباسلة ورجال الشرطة البواسل لتخليص سيناء المباركة وجميع ربوع الوطن من أي عناصر أو فلول أو بقايا للجماعات الإرهابية والمتطرفة , تدك حصونهم ومعاقلهم في بسالة وفداء عظيمين .

  ولم ينظر المسلمون إلى شهر رمضان على أنه شهر عبادة فحسب , وإنما تعاملوا معه على أنه شهر عبادة وعمل وجد وإتقان ومجاهدة النفس , وتحقيق الانتصارات , ففيه كانت أول غزوة في تاريخ الإسلام وهي غزوة بدر الكبرى , التي امتن الله (عز وجل) فيها على نبينا وصحبه الكرام بالنصر وهم قلة مستضعفة آنذاك , حيث يقول سبحانه : ” وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ” ، فهو الذي أنزل الملائكة ، وهو الذي ثبتهم ، وهو الذي ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب ، حيث يقول سبحانه : ” إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ “.

 فما كان لهذه القلة من المسلمين أن تقتل وتهزم تلك الكثرة من المشركين لولا تثبيت الله (عز وجل) للمسلمين ، ونصره إياهم على المشركين لبغيهم وظلمهم وطغيانهم ، ذلك أن جيش المشركين هو الذي خرج إلى المدينة متجبرًا مختالًا يريد استئصال شأفة المسلمين بها ، وكان أهل المدينة قد بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على حمايته داخل المدينة مما يحمون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم ، فقال (صلى الله عليه وسلم)  : “أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ” فتكلم جماعة من المهاجرين فأحسنوا ، وكلما تكلم واحد منهم يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : “أشيروا علي أيها الناس” ، حتى قَام سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ  فقال : وَالله لَكَأَنّك تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ: أَجَلْ ، قَالَ : فَقَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا ، عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ ، فَامْضِ يَا رَسُولَ الله لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَك ، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لخضْنَاهُ مَعَك ، مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ، لَعَلّ الله يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ الله ، ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ:  يَا رَسُولَ الله امْضِ لِمَا أَرَاك الله فَنَحْنُ مَعَك ، وَالله لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى : ” اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ ” وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ ، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَك مِنْ دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) خَيْرًا ، وَدَعَا لَهُ “.

 وقد أعد رسولنا (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ما استطاعوا من عدة ، وكانوا حريصين على الشهادة حرص غيرهم على الحياة ، وفيها أكرم الله (عز وجل) نبيه وعباده بالنصر المبين على قلة عددهم وعتادهم ، لصدق نيتهم، وحسن توكلهم عليه ، وأخذهم بما استطاعوا من أسباب .

 على أن هذه الغزوة كانت كما نرى دفاعية يدافع المسلمون فيها عن أنفسهـم وأعراضهم وأموالهم ومدينتهم ، فلم يكن خروجهم للقتال اعتداءً  إنما كان لرد العدوان .

  وفي هذا الشهر الكريم كان فتح مكة ، بعد أن غدرت قريش بخزاعة حلفاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقتلوهم بالوتير ركعًا وسجدًا .

  وفيه كانت معركة عين جالوت التي أوقف فيه الجيش المصري الباسل بقيادة سيف الدين قطز زحف التتار على العالم الإسلامي.

  وفيه أيضًا تواصل قواتنا المسلحة دحر التتار الجدد المتاجرين بدين الله (عز وجل) ، المتخذين من المتاجرة به ستارًا لستر عمالتهم وخيانتهم لدينهم وأوطانهم.

  فما تخوضه قواتنا المسلحة إلا حرب شريفة مقدسة لا تقل أهمية ولا قداسة عن الانتصارات العظيمة التي حققها جيشنا المصري في عين جالوت ، والعاشر من رمضان ، وإنا لمنتصرون بإذن الله تعالى.

  والتاريخ يعيد نفسه ، وما أشبه الليلة بالبارحة في العطاء والبذل ، فتضحيات أبطال قواتنا المسلحة في مواجهة الإرهاب وقوى الشر والظلام ، وحفاظها على حمى الوطن وسهرها على حمايته ، لا يقل عن تضحيات جيل أكتوبر العظيم ، فمعاني البسالة والشجاعة والفداء والتضحية تقاليد راسخة تتوارثها الأجيال والدفعات المتتابعة في قواتنا المسلحة الباسلة ، وواجبنا الديني والوطني أن نقدم لها كل ألوان الدعم والمساندة ، وأن نقف إلى جانبها ومن خلفها صفا واحدا جنودا أوفياء لهذا الوطن العزيز مصر المحفوظة بحفظ الله عز وجل لها ، ثم بجهد وعرق ودماء أبنائها الأبرار على مر التاريخ .

مقالات ذات صلة