أخلاق الصائمين

        لا شك أن رمضان هو شهر مكارم الأخلاق ، فهو شهر البر ، وشهر الكرم والجود والسخاء ، وهو شهر الصبر ، وشهر الرحمة ، وشهر المغفرة ، وشهر القول الحسن ، وشهر العتق من النار.

       ومعلوم أن العبادات لا تؤتي ثمرتها الحقيقية إلا إذا هذبت وقومت سلوك صاحبها ، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ، ومن لم ينهه حجه عن الفسوق والعصيان فلا حج له ، ومن لم ينهه صيامه عن السباب والفسوق فلا صيام له ، فإذا كان يوم صوم المرء فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل ولا يصخب ، وإن شاتمه أحد أو سابه فليقل إني صائم إني صائم , تصديقًا لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم” , وفي رواية : “فإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله فليقل إني أمرؤ صائم” ، مع ملاحظة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يقل : وإن سبه أحد أو شتمه ، وإنما قال (صلى الله عليه وسلم) : ” فإن سابَّه أحد أو شاتمه” ، بصيغة المفاعلة ، وبما يفيد أن الطرف الآخر يريد أن يحمله حملاً على المساببة والمشاتمة ، وكأنه يستفزه للرد عليه ، وهو ضابط لنفسه مستمسك بما يمليه عليه صيامه من الترفع عن ذلك والاعتصام بمكارم الأخلاق وأحسنها حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : “ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”.

       والصوم الحقيقي طريق التقوى ، حيث يقول سبحانه : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” ، والتقوى جماع كل خير ، وكبح جماح كل شر ، فما سمي المتقون متقين إلا لأنهم يتقون مالا يتقيه غيرهم ، فقد يتركون بعض الحلال مخافة أن يكون فيه شبهة حرام ، يترفعون عن الدنايا ، ولا يعرف فحش القول أو الفعل إليهم سبيلا، ولا يجد له عندهم مدخلا.

       وقد فرق العارفون بالله (عز وجل) الفاهمون لمعنى الصيام بين صيام العوام ، وصيام الخواص، وصيام خواص الخواص ، فعرَّفوا النوع الأول وهو “صيام العوام” بما يفيد فهم المعنى الظاهري للصيام فحسب ، فقالوا : هو حبس النفس عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى غروب شمس ذلك اليوم.

       أما النوع الثاني وهو صوم “الخواص” أو “الخصوص” ، فهو مع ما تقدم من حبس النفس عن شهوتي البطن والفرج من الفجر إلى المغرب يكون أيضًا بكف الجوارح عن المعاصي ، فيكف الإنسان لسانه عن الغيبة والنميمة  ، وعينه عن النظر إلى ما حرم الله ، وأذنه عن سماع ما يغضب الله ، ويده عن أذى الناس ، وهو ما يتسق مع المعنى العام للإسلام الذي يعد الصيام أحد أركانه ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” ، أما أولئك الذين يصومون عن الحلال ويفطرون على ما حرم الله من المال الحرام أو الطعام الحرام ، أو بالنيل من خلق الله غيبة ونميمة فما صاموا ولا انتفعوا بصيام ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” ، فقد ورد أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى ، فَجَعَلَتَا تغتابان النَّاسِ ، فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فدعاهما , وأعطى كل واحدة منهما قدحًا وقال لها : قيئي فيه , فملأت كل واحدة منهما القدح من قيح ودم وصديد ، فَقَالَ :  (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا ، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى ، فَجَعَلَتَا تَأْكُلانِ لُحُومَ النَّاسِ” , يقول الحق سبحانه : ” وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ “.

       وأما النوع الثالث فهو صوم “خواص الخواص” أو “خصوص الخصوص” ، وهو كف القلب عن الهمم الدنية والشواغل الدنيوية والإقبال على الله (عز وجل) بالكلية ، والتحلي بكل مكارم الأخلاق والترفع عن السفاسف والدنايا ، فهؤلاء هم من يعرفون للشهر قدره ، ويدركون له عظيم مكانته , فهم الذين عرفوا , فهم أولى الناس بالتعرض فيه لنفحات ورحمات الله (عز وجل).

       فما أحوجنا في هذا الشهر الكريم أن نعرف حقيقة الصوم ، وأن نتحلى بمكارم الأخلاق في شهر مكارم الأخلاق ، ولا سيما أن الأجواء مواتية ، والفرصة سانحة ، وأبواب السماء مفتوحة ، وما من يوم من أيامه إلا وينادي مناد : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، فالعاقل من أدرك ، والخاسر من ضيع .

مقالات ذات صلة