رمضان شهر جماع الخير

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

  رمضان شهر الصفاء الروحي بلا منازع ، فهو شهر الإيمان ، وشهر البركات ، وشهر الرحمات ، وشهر النفحات ، من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، فيه ليلة خير من ألف شهر هي ليلة القدر ، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه , ومن فطّر فيه صائمًا فله مثل أجره من غير أن يُنقَص من الصائم شيء ، ومن أدى فيه نافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه .

  وهو شهر البر والصلة ، لا مجال فيه للخصام أو الخلاف أو المشاحنة ، يسارع الناس فيه إلى الخيرات بصفة عامة ، وإلى صلة الرحم والصلح بين الناس بصفة خاصة ، وفي الحديث القدسي:” أَنَا الرَّحْمَنُ ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ ، وَمَنْ قَطَعَهَا قطعته”(رواه الترمذي)، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى:” فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”(محمد: 22ـ 24) .

  وهو شهر الجـود والسخـاء ، فقـد كان نبينـا (صلى الله عليه وسلم) أجـود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ، وهو القائل : ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ : اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ” (متفق عليه) , ويقول الحق سبحانه وتعالى: ” هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ “(محمد: 38).

  وهو شهر القرآن ، وشهر الذكر ، وشهر الدعاء ، وليس ذلك كله بالأمر اليسير ، إنما هو أمر لو تعلمون عظيم ، فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته ، وبالذكر تطمئن القلوب , يقول سبحانه : ” الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ” ‏(الرعد : 28), ومن رُزق الدعاء رُزق الإجابة ، لأن الله (عز وجل) حييُّ كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا خائبتين ، وهو القائل : ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ” (البقرة:186) .

  وهو شهر العمل والإنتاج ، إذْ لا ينبغي ولا يجوز أن تتعطل حركة الحياة في هذا الشهر الكريم ، بل ينبغي أن تكون إرادة الصوم حافزًا لمزيد من العمل , وأن تكون مراقبة الله فيه باعثًا لمزيد من المراقبة ومن صحوة الضمير الإنساني الحي .

  ولعل أهم ما نطمح إليه , ونرجو أن نصل إليه من خلال كل ما سبق هو الصفاء مع الله , ومع الناس ، ومع النفس ، ولن يكون ذلك إلا بالثقة الكاملة في الله ، وحسن اللجوء إليه والتوكل عليه .

  والصفاء مع الناس إنما يكون بالبعد عن كل أسباب العداوة والشقاق ، والفرقة والخلاف , والبغضاء والشحناء ، والأحقاد السوداء ، والقلوب المريضة ، والغيبة والنميمة ، والكيد والمكر ، والعمل على تعطيل الآخرين ، والانشغال عما يعنينا بما لا يعنينا .

  والصفاء مع النفس يكون لصلحها مع ذاتها ومع الآخرين ، والإيمان بأن ما قدر كان ، وما كان للإنسان فهو آتيه لا محالة ، وما أصابه لم يكن ليخطئه , وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوا الإنسان بشيء لم ينفعوه  إلاَّ بشيء قد كتبه الله له , ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليه , رفعت الأقلام وجفت الصحف ، وأن يكون الإنسان في توازن بين معاشه ومعاده ، وبين أمر دينه وأمر دنياه ، وأن يكف أذى لسـانه ويده عن الناس ، فالمسلـم من سـلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه .

  وهو شهر الرحمة بلا منازع ، رحمة الله عز وجل بعباده ، ورحمة العبـاد بعضهم ببعض ، فالراحمون يرحمهم الله ، ومن لا يَرحم لا يُرحم ، وهو ما يتطلب أن نعمل على أن تعم هذه الرحمة الإنسانية كلها : إنسانها وحيوانها وطائرها ، لنؤكد للعالم كله أن ديننا دين رحمة وسلام لا عنف فيه ولا إرهاب ، وأن نبينا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) هو نبي الرحمة , ورسالته هي رسالة الرحمة ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” (الأنبياء : 107).

مقالات ذات صلة