رمضان شهر القيام

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

لعل من أهم خصائص الشهر الفضيل التي تجمع الناس في زماننا هذا هو قيام الليل بدءًا بصلاة التراويح وانتهاء بالتهجد ، مع الحرص على أداء الفرائض في أوقاتها ، وهو أحد أهم موجبات المغفرة في هذا الشهر الفضيل ، فكما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه” (متفق عليه) ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : “مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم ذنبه” (متفق عليه) ، بل إن الله (عز وجل) جعل هذا الفضل كاملا لمن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا ، فقال (صلى الله عليه وسلم) : “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” (متفق عليه) .

وفي عز شرف الليل وقيامه والثناء على أهله وبيان عظيم شأنهم وشرف عملهم ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ” ، ويقول سبحانه : ” إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ” ، ويقول سبحانه : ” تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا  لَّا يَسْتَوُونَ ” ، ويقول سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا* إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا” .

ومن الأحاديث الواردة في فضل قيام الليل : ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ” أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ” (صحيح مسلم) ، وعن جابر (رضي الله عنه) قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول : ” إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ، وذلك كل ليلة ” (صحيح مسلم) .

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ” رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته ، فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبي نضحت في وجهه الماء ” (سنن أبي داود) .

وعن أبي أمامة الباهلي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : “عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وهو قربة لكم إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم ” (سنن الترمذي) ، وعن سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ) عن أبيه ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (نعم الرجل عبد اللَّه لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد اللَّه بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) .

وقال سعيد بن المسيب : ” إنَّ الرجل ليقوم الليل، فيجعل الله في وجهه نورًا ، يحبه كلُّ مسلم ، فيراه من لم يره قط، فيقول : إني أحبّ هذا الرجل”، وسُئل الحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهًا ؟! فقال : لأنهم خلوْا بالرحمن فألبسهم من نوره .

وإذا كان قيام الليل مستحبًّا في كل حال فهو أكثر استحبابًا في هذا الشهر الكريم ، ويزداد استحبابًا في العشر الأواخر منه ، فقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) إذا دخل العشر الاواخر من رمضان أيقظ أهله ، وأحيا ليله ، وجدًّ ، وشد مئزره ، اجتهادًا منه (صلى الله عليه وسلم) في العبادة في هذا الشهر الكريم وتلك الأيام المباركة.

مقالات ذات صلة