معاملة الخادم والأجير

     أمرنا ديننا الحنيف بحسن معاملة الناس جميعًا ، وزاد من الوصية بالضعفاء ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم” ، فالضعيف قوي بالله ، بنصرته ومعيته ، حيث يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي : ” ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ” (رواه البخاري).

     وقد أوصانا نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالعمال والأجراء ومن يقومون بأعمال الخدمة أو الخدم ، فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللّه تحْتَ أيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مما يأكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِما يَلْبَسُ ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ فإنْ تكلَّفوهُمْ فأعِينُوهُمْ “(متفق عليه) .

    وعليك أن تتذكر أن الأيام دول ، وأن غني اليوم قد يكون فقير الغد ، وأن فقير اليوم قد يكون غني الغد ، حيث يقول الحق سبحانه : “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ” (آل عمران : 140) ، وأن من نعمة الله تعالى على بعض الناس أن جعلهم مخدومين فإن شكروا النعمة وحافظوا عليها بحسن معاملة من يخدمونهم والإحسان إليهم أدام الله عليهم نعمه وحفظها ، حيث يقول الحق سبحانه : “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” (إبراهيم : 7) ، فإن جحد الإنسان النعمة وتطاول واستعلى وتجبر على خلق الله فإنه سبحانه قادر أن يبدل الأحوال فيجعل الخادم مخدومًا والمخدوم خادمًا ، وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم)  يقول للسيدة عائشة : “يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا قَلَّ مَا تَزُولُ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِمْ” (رواه الطبراني في الأوسط) ، وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول : “إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا يُقِرُّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ النَّاسِ ، مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ فَإِذَا مَلَّوُهُمْ نَقَلَهَا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى غَيْرِهِمْ”(رواه الطبراني في الأوسط) .

           وما أسرع تبديل الأحوال وتغير الزمن حتى أن بعض العلماء والحكماء قد عدوا ذلك من علامات الساعة سرعة مر الزمان وكره وتبدل أحواله وجولاته.

        وقد ضرب لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) أنموذجًا إنسانيًّا رائعًّا في معاملة من يخدمه ، فيقول سيدنا أنس بن مالك (رضي الله عنه) : “خدمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء تركته لما تركته”.

         وذكر لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) قصة تحتاج إلى وقفة تأمل وتدبر في معانيها ، وهي قصة أصحاب الغار الذين وقعت الصخرة على باب غار كانوا قد آووا إليه فأغلقت عليهم فتحته ، فقالوا ليدعُ كل واحد منا بأرجى عمل عمله في حياته ، فدعا الأول مستشفعًا ببره لوالديه ، ودعا الثاني مستشفعًا بتعففه عن الحرام ، وقال الثالث  : ” اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وأَعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غيرَ رَجُل واحدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهبَ، فَثمَّرْتُ أجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنهُ الأمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعدَ حِينٍ ، فَقالَ : يَا عبدَ اللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أجْرِي ، فَقُلْتُ : كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أجْرِكَ : مِنَ الإبلِ وَالبَقَرِ والْغَنَمِ والرَّقيقِ ، فقالَ : يَا عبدَ اللهِ ، لاَ تستهزئ بي ! فَقُلْتُ : لاَ أسْتَهْزِئ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يتْرُكْ مِنهُ شَيئاً . الَّلهُمَّ إنْ كُنتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ” (مُتَّفَقٌ عليه).

             ولنا في قصة سيدنا موسى (عليه السلام) مع فتاه يوشع بن نون معتبرٌ حين خرجا طلبًا للقاء العبد الصالح ، وأمر سيدنا موسى (عليه السلام) فتاه بأن يراقب حركة الحوت ، غير أن الحوت قد انطلق من مكتله ونسي يوشع بن نون أن يخبر سيدنا موسى (عليه السلام) على نحو ما ورد في قوله تعالى : ” قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا  ” (الكهف : 63) ، ولننظر هنا إلى رد فعل نبي الله موسى (عليه السلام) كما حكاه القرآن الكريم على لسانه : ” قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ  فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا”(الكهف : 64) ، ولم يعنفه ولم يزجره، وإنما خاطبه مخاطبة الأخ والصديق الحميم في لطف ولين.  

مقالات ذات صلة