الدعاء سلاح المؤمن

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقا

       الدعاء ليس سلاح الضعفاء كما يتوهم البعض , الدعاء سلاح الأقوياء الآخذين بالأسباب , المؤمنين بأن الأسباب لا تؤدي إلى النتائج بطبيعتها , إنما برحمة الله تعالى وعونه وسداده وإرادته وتوفيقه , يقول الحق سبحانه : ” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ”  , ويقول سبحانه : “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” .

      ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إثمٌ ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ بها إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يعجل لَهُ دَعْوَتَهُ ، وإمّا أن يَدَّخِرَها لَهُ في الآخرة ، وإمّا أن يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا ). قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ . قَالَ : (اللَّهُ أَكْثَرُ) ”  , وسمع نبينا (صلى الله عليه وسلم) رجلا يقول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُوًا أَحَدٌ . قَالَ : ” لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ” , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا مُوَكَّلا بِمَنْ يَقُولُ : يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، فَمَنْ قَالَهَا ثَلاثًا قَالَ الْمَلَكُ : إِنَّ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَاسْأَلْ”.

       وقال أحد الحكماء : عجبت لمن ابتلي بالمرض كيف يغفل عن دعوة أيوب عليه السلام : ” أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ” ؟! ، ومن ابتلى بالضيق كيف يغفل عن دعوة يونس عليه السلام ” لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ “؟! ، وعجبتُ لمن ابتُـلي بخوفٍ كيف يغفل عن قول الله عز وجل : ” حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ “؟! ،  وعجبتُ لمن ابتُـلي بمكرِ الناس كيف يغفل عن قوله تعالى : ” وَأُفَوِّضُ أَمْرِ‌ي إِلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بَصِيرٌ‌ بِالْعِبَادِ ” ؟

         وهذه دعوة إبراهيم (عليه السلام) لولده نرى بركتها إلى يوم القيامة , حيث دعا ربه (عزوجل) : “رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”, وحيث دعا ربه فقال: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ” , وقال : ” رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ” , فاستجاب له ربه فجعل البلد آمنا والحرم آمنا والقلوب تهوى إليه من كل حدب وصوب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

         وهذا نبي الله يوسف (عليه السلام) يدعو ربه فيقول: ” رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ” , فتأتيه الاستجابة : “فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” .

          وهذا نبي الله أيوب (عليه السلام) يدعو ربه فيقول : ” أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” , فتأتيه الإجابة : “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ” .

         وهذا نبي الله زكريا (عليه السلام) يدعو ربه فيقول : ” رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا” , فيستجيب له ربه (عز وجل) فيقول : ” فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ”.

فما أحوجنا إلى الدعاء المصحوب بالأمل لا باليأس ولا بالإحباط ، ولا بالقنوط من رحمة الله (عز وجل) ، وإذا أردنا إجابة للدعاء فإن لذلك شروطًا وآدابًا من أهمها الإيمان وحسن الظن بالله وطيب المطعم والمشرب والملبس ، فلما سأل سيدنا سعد بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : ” يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ وَالرِّبَا فَالنَّارُ أَوْلَى بِه “.

مقالات ذات صلة