حقيقة الشكر وتمامه

الشكر نعمة من أعظم النعم التي تدل على الأصالة من جهة ، وتستجلب المزيد والرضا من جهة أخرى ، حتى قال أحد الشاكرين الواعين لحقيقة الشكر : إن الشكر من أجل النعم ، فإذا ما رزقني الله نعمة ، فوفقني لشكره عليها ، أدركت أن الشكر نعمة جديدة تحتاج إلى شكر جديد ، وهكذا لا ينفك الشاكر عن شكره ، بل إن بعضهم ليشكر في السراء والضراء ، ويقول : أشكر لأن المحنة قد تنطوي على منحة ، ولأظهر الرضا في الرخاء والشدة ، ولكون الشدة وقفت بي عند هذا الحد ولم تكن أعظم مما كانت ، حتى مر أحدهم برجل مقطوع اليدين ، مقطوع الرجلين ، يقول : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من الناس ، فوقف عليه متعجبًا مندهشًا ، وسأله: ومم عافاك الله أيها الصابر المحتسب ، فقال له : الحمد لله الذي جعل لي لسانًا ذاكرًا ، وقلبًا خاشعًا ، وجسدًا على البلاء صابرًا ، وعافاني من السخط والجزع وعدم الرضا ، وأعطاني من القوة ما أتصبر به ، ومن الإيمان والرضا ما أشكر به وعليه .

       ويكفي أن الشكور اسم من أسماء الله الحسنى ، وصفة من صفاته العلا ، حيث يقول سبحانه : ” وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا  ” ، ويقول سبحانه : ” إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ” .

       وقد أكد القرآن الكريم أن الشكر أحد أسباب دفع العذاب عن الإنسان ، فقال سبحانه : “ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ” .

       والشكر باب المزيد ومفتاحه بنص القرآن الكريم ، حيث يقول الحق سبحانه : ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” .

       الشكر ليس مجرد كلام ، ولا ينبغي أن يكون كذلك  ، الشكر عمل ، الشكر سلوك ، حيث يقول : الحق سبحانه : ” اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ”.

       على أن تمام شكر المنعم يقتضي شكر من أجرى الله النعمة على يديه ، وفي الحديث القدسي  : “عِبَدِيْ ! لَمْ تَشْكُرْنِي إِذَا لَمْ تَشْكُرْ مَنْ أَجْرَيْتُ النِّعْمَةَ عَلَى يَدَيْهِ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ ” ، ويقول سيدنا عبد الله بن عباس : ثلاثة في القرآن الكريم نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل واحدة منها دون الأخرى : الأولى في قوله تعالى : ” وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ” ، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه ، والثانية في قوله تعالى : “وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ” ، فمن أقام الصلاة ولم يؤتِ الزكاة لم يغنِ عنه شيئًا ، والثالثة في قوله تعالى : ” أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  ” ، فمن شكر لله وعق والديه لم يقبل منه ، ولم يكن شكورًا.

       ومن تمام شكر النعمة الوفاء لمن كان سببا فيها أو فى حدوثها أو إسدائها ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ” .

       وإذا كان الشكر يجلب المزيد فإن الجحود والنكران وعدم الشكر يجلب النقمة وزوال النعمة، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ” .

      وقد ضرب لنا القرآن الكريم المُثُل ما فيه متعظ ومعتبر ، في قصص : أصحاب الجنة ، وصاحبي الجنتين ، وقوم سبأ، وغيرهم ، حيث يقول سبحانه : ” لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ  َنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ”، فلما جحدوا نعمة الله عليهم ولم يشكروا فضله أزال عنهم نعمته بل أزال ملكهم ودولتهم ، وهي سنته الجارية مع أهل الكفران والجحود والنكران ، مع صاحب الجنة الذي طغى وبغى فأحيط بثمره ” وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا” ، وأصحاب الجنة الذين أقسموا : ألا يدخلنها عليهم مسكين ولا يتيم ، فأحيط بها ، فصارت رمادًا كالصريم ، وجاء التحذير الإلهي واضحًا صريحًا لمن يفعل مثل فعلتهم بأن يعاقب بمثل عقوبتهم ، حيث يقول سبحانه : ” كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ” .

مقالات ذات صلة