نعمة الأمن والاستقرار

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       يُعد الأمن نعمة من أهم النعم ، ويأتي في مقدمتها ، يقول نبينا  (صلى الله عليه وسلم) : ( مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سربِهِ ، مُعَافَىً في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ) (رواه الترمذي) .

       فالأمن من أجل النعم التي امتن الله (عز وجل) بها على عباده ، حيث يقول سبحانه وتعالى ممتنًّا على قريش : { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}(قريش:1-4) ، ويقول سبحانه وتعالى ممتنًّا على مكة وأهلها : {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}(القصص: 57) ،{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَما آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}(العنكبوت : 67) , ويقول سبحانه : {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }( الأنفال : 26) .

       على أن القرآن الكريم يربط بين الأمن والإيمان ، والحفاظ على هذه النعمة وعدم جحودها أو إنكارها أو نكرانها ، أو الخروج على مقتضيات الحفاظ عليها ، فيقول الحق سبحانه :{الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام:82) ، ويقول سبحانه : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ}(سبأ : 15-18), ويقول سبحانه :{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}(النحل :112).

         ولنا في الحاضر من حولنا عبرة ومتعظ بحال تلك الدول التي  سقطت في براثن الفوضى والتفكك , والتشرذم والتمزق ، ما بين لاجئ متعرض لمخاطر لا تحصى ولا تعد ، ومشرد ، ومعتقل ، ومحاصر , أو  شهيد، أو قتيل ، أو مصاب , أو مقعد , أو مشوه , أو عاجز , حيث رأينا الإرهابيين المجرمين يستغلون حالة الفوضى والتفكك هذه ويتجاوزون كل حدود الإنسانية في الفتك والتنكيل بالبشر من الحرق والسحل ، والسبي والاغتصاب ، والاستعباد ، وحمل الناس على حفر قبورهم بأيديهم ، مما يدعونا وبقوة إلى الحفاظ على ما أنعم الله (عز وجل) به علينا من أمن وأمان واستقرار .

        على أن الحفاظ على هذه النعمة يحتاج منا إلى أمرين ، أحدهما : شكر الله (عز وجل) عليها , حيث يقول الحق سبحانه : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم: 7) , والشكر ليس في المال فحسب , وإنما في سائر النعم .

الأمـر الآخـر : هـو وحــدة الصــف , وإدراك حجـم التحـديــات التــي تواجهنـا , والأخذ بقوة على أيدي دعـاة القتـل والاغتيـال وسفك الدمـاء والفوضى والتخريب ، الداعين إلى التطاول على رجال الجيش والشرطة وعلى مرافق الدولة ومؤسساتها ، مع تأكيدنا أن كل من يسلك هذه المسالك الخبيثة ينبغي أن يحاكم بتهمة الخيانة الوطنية العظمى ، لأن هؤلاء الخونة والعملاء هم الأخطر على أمن الوطن واستقراره ، وهم لسان حال أعدائه ، ويدهم الطولي في الإفساد والتخريب ، فهم يأكلون طعامنا , ويلبسون ثيابنا , ويطعنوننا في ظهورنا , وهم عيون أعدائنا , إذ لا يمكن للإرهاب أن يخترق أيّ دولة أو مجتمع إلا في ظل حواضن تستقبله وتأويه , وتوفر له المناخ الملائم لإثارة الفوضى .

     كما يجب مراقبة التمويل الأجنبي ، وعلامات الثراء الفاحش التي تظهر فجأة على بعض المأجورين الذين يبيعون دينهم ووطنهم وأهليهم وآدميتهم وإنسانيتهم بثمن بخس، ظانين أنهم يمكن أن يخدعوا المجتمع ويفلتوا بجرائمهم{يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}(النساء :142).

       وإذا استطاع بعضهم أن يخدع بعض الناس بعض الوقت ، فمن المستحيل أن يخدع أحد كل الناس كل الوقت ، ولا ينس أحد أنه سيقف يوماً بين يدي من لا يغفل ولا ينام ، حيث يقول الحق سبحانه:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}(الصافات :24) ، ويقول سبحانه:{وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء}(إبراهيـم :42-43) ، ويقـول سبحانـه : {الْيَوْمَ تُجْـزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَـا كَسَبَتْ لَا ظُـلْـمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(غافر :17) .

مقالات ذات صلة