إرادة التغيير

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

  يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” ، والتغيير ليس بالأمر الهين ولا اليسير ، التغيير إرادة ، التغيير عزيمة، التغيير ثقافة ، التغيير أمر لا غنى عنه للأمم التي تسعى إلى تحقيق التقدم والرقي ، إذ لا يمكن لأحد أن يحدث نهضة أو نقلة بنفس الأدوات التي أدت إلى التخلف أو التدهور أو الجمود أو الفساد أو الإفساد .

  ويجب أن تصبح إرادة التغيير ثقافة مجتمع في جميع مجالاته ، في الفكر ، في التربية ، في العمل ، في الإدارة ، في شتى مناحي حياتنا ومكوناتها ومقوماتها ، يجب أن نغير سلوكنا ، فيصبح الأصل العمل لا الكسل ، والإتقان لا غيره ، والشفافية لا الفساد ، وتقديم الكفاءة لا الولاء ، والعطاء قبل الأخذ ، وربط الحافز ربطًا حقيقيًا بالإنتاج ، والعمل بروح الفريق لا بأنانية الفرد ، والانفتاح العقلي لا الجمود ولا الانغلاق ، وأن نتحلى بالإيثار لا الأثرة ، مع العمل لصالح الوطن، وإدراك أن الوطن بجهود جميع أبنائه ، وأن أحدًا لا ينجح وحده ، ولا يمكن أن ينجح وحده.

  يجب أن تصبح إرادة التغيير ثقافة وطن ، وأن ندرك أننا قادرون ، وأننا نستطيع ، وألا نستضعف أنفسنا ، أو نستهين بقدراتنا وإمكاناتنا ، فنحن بنو شعب عريق الحضارة، متجذر بها في أعماق التاريخ لأكثر من سبعة آلف عام ، لم تتوقف يومًا ، ولم تنقطع ، فقد وضع فيها كل جيل لبنة من لبناتها ، حتى صارت بنيانًا فريدًا ، مكتملاً ، مدهشًا للدنيا وللعالم بأسره ، لا ينكر أثرها على الإنسانية ولا عظمتها إلا جاحد أو ناقم أو مكابر ، على أنها سرعان ما ترد على الجاحدين جحودهم ونكرانهم ومكابرتهم ، بإنصاف المنصفين ، وبما تشعه على مر الأيام من نور ، وما يتتابع اكتشافه من كنوز تكاد تكون لا متناهية ، يجب ألا نعبأ بمن يهونون من قدراتنا أو يحاولون أن يفتُّوا في عضدنا ، أو ينالوا من عزيمتنا ، أو يلقوا شباك اليأس والإحباط حولنا ، فنحن أمة لا تعرف لليأس ولا للإحباط طريقًا ، ولا سيما أن علماءنا العظام يعدون اليأس والتأييس والإحباط والتحبيط من الكبائر ، مستشهدين بحديث نبينا (صلى الله عليه وسلم) : عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أن رجلًا   قال : يا رسول الله ما الكبائر  ؟ قال (صلى الله عليه وسلم ) : ” الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط  من رحمة الله , من وقاه الله إياها وعصمه منها ضمنت له الجنة ” ، إرادة التغيير تتطلب أن نثق في أنفسنا وفي أننا قادرون على أن نحدث تغييرًا ، أن نحدث فارقًا ، أن نحقق رقمًا عالميًّا يحسب له حسابه في شتى المجالات ، أن نعتمد على ذاتنا ، على قدراتنا ، على مواردنا ، على إمكاناتنا ، أن نرشد استهلاكنا ، ونعظم إنتاجنا ، ونعمد إلى إضافة لبنة جديدة بل لبنات عظيمة إلى بنائنا الحضاري ، تحمل بصمتنا ، وتشهد بأننا كنا هنا يومًا ما ، وأننا كنا جديرين أن نحفر أسماءنا في ذاكرة التاريخ الإنساني وسجل حضارتنا المصرية العريقة .

  التغيير يتطلب أن نعيد اكتشاف أنفسنا من جديد بإمكاناتها الحقيقية وجيناتها الحضارية ، وأن ننزع عنها أو منها أي فيروسات طارئة أو دخيلة للكسل أو الإحباط أو الإحساس بالعجز ، فلسنا عاجزين ولم نكن يومًا كذلك ، ولن نكون إن شاء الله ، علينا أن نتمسك بالأمل ، وأن نتشبث به ، وأن نعمل لتحقيقه ، فالأمل بلا عمل أمل أعرج لا يقوم على ساقين ، وقد قال الحسن البصري : ” إن قومًا غرَّهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، يقولون : نحسن الظن بالله ، كذبوا والله ، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ” ، فنيل المطالب ليس بالأماني ، ولا بالتمني ، ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا واقتحامًا .

مقالات ذات صلة