الفطنة والكياسة

      الكياسة , والنباهة , والفطنة , والذكاء , والوعي , واليقظة , أمورٌ ينبغي أن يكون عليها المؤمن , فلا يَخدع ولا يُخدع , وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول : “لست بالخِبّ ولكن الخِبَّ لا يخدعُني” , أي لست بالخداع ولكن الأكثر خداعًا لا يتمكن من خداعي , وكان المغيرة بن شعبة داهية من دواهي العرب في الفطنة والذكاء , وكان يقول : لولا الإسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه جزيرة العرب , وفي الأثر : “الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ” , وكانت العرب في جاهليتها تمتدح بالذكاء والفطنة والتيقظ, حيث يقول طرفة بن العبد : “خَشَـاشٌ كَـرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّـدِ” , وكان الفرزدق يقول :

يَنَـــامُ بِإحْــــدَى مُقْلَتَيــــهِ وَيَتَّقِـــي

بِأُخْرَى الأَعَـادِي فَهْوَ يَقْظَانُ نَائِمُ

    وقد أُمرنا بأقصى درجات اليقظة في حالات الحرب , فقال سبحانه : ” وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً” .

      وإذا سلّمنا أننا في حرب متعددة الجوانب والمسارات : حرب مع العدو المتربص من أعدائنا الظاهرين , وحرب مع الخونة والعملاء من بني جلدتنا , الذين يطعنوننا في ظهورنا بلا وازعٍ من دينٍ أو ضميرٍ أو وطنية , لا يألون على شيء إلاّ ما يحقق مصالحهم الشخصية أو مصالح الجماعات الإرهابية التي ينتمون إليها …

      وإذا كانت الحروب الحديثة متعددة المسارات : قتالية , واقتصادية , وفكرية , وثقافية, وصارت حروب الجيلين الرابع والخامس هي الأكثر استخدامًا لإفشال الدول وإسقاطها وتفتيتها والإتيان على بنيانها من القواعد من خلال استخدام العناصر الخائنة والعميلة والمجندة لصالح قوى الشر , ومن خلال بث الشائعات , وتشويه الرموز الوطنية , وتقزيم الإنجازات , ومحاولات طمس الحقائق … فإن جانبا كبيرًا من ذلك يعتمد إلى حد كبير على استخدام الخلايا النائمة للجماعات الإرهابية , وعلى ثلة من المنتفعين الذين يراوغون كما تراوغ الثعالب , ويغيرون جلودهم مثل الحيات والثعابين , “وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ” , لأن مهمتهم تحريف الكلم عن مواضعه وإخراج الأمور عن سياقها , فلو كانت الكلمة تُحمل على مائة وجه منها تسعة وتسعون وجها حسنًا ووجه واحد يحتمل التأويل , حملوها قسرًا على هذا الوجه تشويهًا وتكديرًا وإلباسًا للحق ثوب الباطل , عمالةً وخيانةً وطمعًا في عَرَضٍ زائلٍ من الحياة الدنيا لا يمكن أن يهنأوا به ؛ لأنه سيكون عليهم حسرة في الدنيا والآخرة.

      وإذا كان الذكاء نعمة من نعم الله (عز وجل) فإننا سنحاسب على هذه النعمة , وعلينا أن لا نستخدمه في شر , حتى لا يكون وبالا وحسرة في الدنيا والآخرة , وهذا ما حذّر منه نبينا (صلى الله عليه وسلم) حين قال : ” إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَخِيهِ , فَلَا يَأْخُذَنَّهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ”.

      ويجب ألا نسمح لأحد أن يخدعنا مرتين , فضلاً عن أن يخدعنا أصلاً , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ” , وبما أننا لم نلدغ مرة واحدة من جماعة الإخوان الإرهابية والجماعات المتاجرة باسم الدين , بل لدغنا لدغاتٍ متعددة مراتٍ ومرات , وما زال لدغها وسمها مستمرًّا , فإن الفطنة تقتضي ألاّ نترك هذه الجماعات الضالة لتخدعنا مرةً أخرى , ولا سيما أنها تتخذ من التمويه والخداع منهجًا ثابتًا , فهي أشبه بالخفافيش التي لا تحيا إلا في الظلام ولا تتحرك إلا في نطاقه .

     ويجب أن ندرك أنّ هذه الجماعة الإرهابية تحاول إعادة بناء نفسها من جديد من خلال محاولات مستميته للتسلل في مؤسسات المجتمع مرة أخرى .

     ودفعًا لمخاطر هذه الجماعات الضالة المضلة يجب أن نكون أكثر ذكاء ووعيًا ويقظة وحسمًا تجاه الخلايا النائمة حتى لا تتمكن من بناء نفسها من جديد , بما يشكل خطرًا داهمًا .

      ويجب أن نتحرك بمنتهى السرعة والحسم , وقديما قال شاعرنا العربي:

ولقد نصحتهــم بِمُنْعَــــرجِ اللِّـــوى

فلم يستبينوا النصح إِلاّ ضُحى الغَدِ

      مما يستدعي التحرك الحاسم والضَّرب بيدٍ من حديد على كل من يثبت انتماؤه لهذه الجماعات أو استخدامها له , وعلى أن يقوم كل منا بدوره في ذلك , وأن يبدأ بنفسه , وبما هو في نطاق مسئوليته , وأن يكون ذلك قبل فوات الأوان , حتى لا نندم حين لا ينفع الندم.

مقالات ذات صلة