في احتفال وزارة الأوقاف بالعام الهجري الجديد 1439هـ

وزير الأوقاف :

الهجرة علمتنا صدق التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب

     في رحاب مسجد الإمام الحسين (رضى الله عنه) بالقاهرة احتفلت وزارة الأوقاف مساء أمس الأربعاء الموافق 20 / 9 / 2017م بالعام الهجري الجديد 1439هـ بحضور السيد المهندس/ عاطف عبد الحميد محافظ القاهرة نائبًا عن السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية ، والسيد اللواء/ سيد أبو الفضل نائبًا عن معالي وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق صدقي صبحي، وفضيلة أ. د/ شوقي علام مفتى الجمهورية ، والسيد/ السيد محمود الشريف وكيل أول مجلس النواب ونقيب السادة الأشراف ، والأستاذ/ سليمان وهدان وكيل مجلس النواب ، و د/ عبد الهادي القصبي شيخ مشايخ الطرق الصوفية ، و د / حسن خليل نائبًا عن مشيخة الأزهر ، وفضيلة الشيخ/ جابر طايع يوسف رئيس القطاع الديني بالوزارة ، وعدد من سفراء العالم العربي والإسلامي ، ولفيف من قيادات وزارة الأوقاف والأزهر الشريف ، والقوات المسلحة المصرية .

وفي بداية كلمته هنأ معالي وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة الشعب المصري كله والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بحلول العام الهجري الجديد ، كما قدم التهنئة لسيادة الرئيس / عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية ، سائلا المولى (عزّ وجلّ ) أن يجعله عام يمنٍ وبركة وأمن وأمان واستقرار على مصرنا الغالية وعلى أمتنا العربية والإسلامية ، وعلى المسلمين في مشارق الارض ومغاربها.

كما أكد معاليه أن من أهم الدروس في الهجرة النبوية التوازن بين حسن التوكل على الله والأخذ بالأسباب ، فمع هذا اليقين في الله وحسن التوكل عليه نراه (صلى الله عليه وسلم) يبذل أقصى ما في وسعه في الأخذ بالأسباب ، فلا تناقض بين الأمرين ، فقد جهز النبي (صلى الله عليه وسلم) راحلتين عند أبي بكر الصديق (رضى الله عنه)، واختار دليلاً ماهرًا هو عبد الله بن أريقط وكان كافرًا ؛ ليعلمنا أن سماحة الإسلام تقبل الجميع وتتعامل مع الجميع ، وأيضًا أن الكفاءة مقدمة على الولاء ، وبهذا تنهض الأمم ، ولو قدم الولاء على الكفاءة لتسبب في فساد عظيم ، ثم كلف عليًّا (رضي الله عنه) أن ينام مكانه ليلة الهجرة ليعمي على المشركين خروجه من بيته ، وكلف عامر بن فهيرة (رضي الله عنه) بتتبع آثاره وآثار صاحبه للعمل على إخفائها أخذًا بالأسباب ، وهو يدرك غاية الإدراك أن الله كفيل به وبصاحبه ، غير أنه (صلى الله عليه وسلم) قد أراد أن يعطينا درسًا عمليًّا أن سنة الله تعالى في كونه تقتضي الأخذ بالأسباب ثم تفويض النتائج لله (عز وجل) .

كما أكد معاليه أن التوكل على الله سنة الأنبياء جميعًا ، فهذا الخليل إبراهيم (عليه السلام) لما أقام الحجة والبرهان على قومه في عبادتهم غير الله (عز وجل) : (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) أجمعوا على التنكيل به ، فقال تعالى على لسانهم: ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) فجمعوا الحطب ، وأججوا النيران ، وألقوا فيها إبراهيم ، ولكن الذي خلق النار قادر على أن يسلب منها خاصية الإحراق، فقال تعالى: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) .

وهذا موسى وهارون (عليهما السلام) لما أرسلهما الله إلى فرعون أمرهما بالحكمة والقول اللين فقال لهما : (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، ولما خرج موسى (عليه السلام) متوكلاً على ربه (عز وجل) أنجاه الله من بطش فرعون وجنوده ، (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ )، قال موسى (عليه السلام) بيقين وصدق وثقة وحسن ظن بالله :{ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } فلما كان هذا اليقين الصادق في التوكل على الله عز وجل أوحى الله (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ

الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}.

كما أشار معاليه إلى أن الهجرة علمتنا حُسن الاعتماد على الله (عز وجل) وهو ما تجلى من قول نبينا (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) حين قال له أبو بكر : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تحت قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ : «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟» ، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى:{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

ومن جانبه أكد فضيلة أ.د/ عبد الله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية أن الدروس والعظات التي تستفاد من هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا تنفد ، وأننا نأخذ منها ما تيسر ، وما ينير لنا طريق حياتنا وننتفع به في دنيانا ، مشيرًا أن حب الوطن من الإيمان ، فقد أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يغرس في قلوب المسلمين حب الأوطان ، وأن الحفاظ على الأوطان يسبق حفظ الأديان ، فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما خرج من مكة نظر إليها قائلاً: والله إنك لأحب البلاد الى الله ، و أحب البلاد اليّ ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت ، ولما وصل إلى المدينة قال (صلى الله عليه وسلم): “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد “، موضحًا أن الأوطان لا تقوم إلا بمواطنين محبين لها مستعدين لبذل النفس والنفيس من أجلها .

كما أشار فضيلته إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علمنا درسًا آخر مهمًا من دروس الهجرة ألا وهو وجوب التعايش السلمي بين جميع أفراد المجتمع دونما تمييز أو إقصاء، فَحين هاجر الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، وجد فيها عقائد مختَلِفة، من مسلمين وغيرهم ، وفي ظلّ ذلك التنوع أراد الرسول (صلى الله عليه وسلّم) أن يؤسّس دولةً قويّة يسودها السّلام والتعاون والمشَارَكة بين جميع أطيافها على اختلاف مشاربهم .

مقالات ذات صلة