آخر الأخبار

السكان والتنمية

إذا كنا نؤمن إيمانًا حقيقيًّّا بدور العلم وأهميته , ودور التخطيط والدراسات المستقبلية في مجال التنمية , فإننا لا يمكن أن نطلق أحكامًا غير مبنية على العلم والدراسة المتخصصة .

ونؤكد أن تصحيح المفاهيم الخاطئة فيما يتصل بالقضايا السكانية يدخل في صميم تجديد وتصويب الخطاب الديني وتصحيح مساره , وهذا نبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول : “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ” (متفق عليه) , فاشترط (صلى الله عليه وسلم) الباءة التي تشمل القدرة على الإنفاق كشرط للزواج , ومن باب أولى فهي شرط للإنجاب , فما بالكم بالإنجاب المتعدد ؟! ألم يقل النبي (صلى الله عليه وسلم) : “كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقوت” , وفي رواية “كَفي بِالمرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ ” .

ولطالما أكدنا أن الكثرة إما أن تكون كثرة قوية منتجة متقدمة يمكن أن نباهي بها الأمم في الدنيا ، وأن يباهي نبينا (صلى الله عليه وسلم) بها الأمم يوم القيامة ، فتكون كثرة نافعة مطلوبة , وإما أن تكون كثرة كغثاء السيل , عالة على غيرها ، جاهلة , متخلفة , في ذيل الأمم , فهي والعدم سواء .

هذا كله إضافة إلى حقوق الطفل التي يجب أن يتمتع بها طفولة وتربية وتعليما , حتى أن الفقهاء اعتبروا أن الحمل الذي يحدث في وقت الإرضاع إنما هو جور على حق الطفل الرضيع ، بل جور على حق كل من الرضيع والجنين , فسموا لبن الأم آنذاك لبن الغِيلة , وكأن كلا من الطفلين قد اغتال أو اقتطع جزءًا من حق أخيه , مما قد يعرض الطفلين الرضيع والجنين لمشاكل في النمو , قد تصاحبهما أو تصاحب أحدهما طوال حياته أو جزءًا منها , إضافة إلى المشكلات الأسرية التي قد تنتج عن تلاحق عمليتي الحمل والإرضاع , فالحمل والإرضاع المتتابعان قد يكون لهما أثر سلبي كبير في تدهور العلاقة داخل الأسرة بين الزوجين ، وانعكاس سلبي على حياة الأطفال وعدم القدرة على الوفاء بحقوقهم .

وقد أجاز النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه العزل , وهو أحد وسائل تنظيم الأسرة , ويقاس عليه كل ما يستحدث من الوسائل الصحية الآمنة الميسرة .

كما نؤكد أن القدرة ليست هي القدرة المادية فقط إنما هي القدرة المادية والتربوية وما يشمل كل جوانب العناية والرعاية , وليست القدرة الفردية فقط , إنما هو أمر يتجاوز قدرات الأفراد إلى إمكانات الدول في توفير الخدمات التي لا يمكن أن يوفرها آحاد الأفراد بأنفسهم لأنفسهم , ومن هنا كان حال وإمكانات الدول أحد أهم العوامل التي يجب أن توضع في الحسبان في كل جوانب العملية السكانية , فما استحق أن يولد من عاش لنفسه .

على أن تناولنا للقضية يجب ألا يقتصر فقط على الجوانب الاقتصادية إنما يجب أن يبرز إلى جانب هذه الآثار الاقتصادية كل الآثار الصحية والنفسية والأسرية والمجتمعية التي يمكن أن تنعكس على حياة الأطفال والأبوين والأسرة كلها , ثم المجتمع , فالدولة , فالزيادة السكانية غير المنضبطة لا ينعكس أثرها على الفرد أو الأسرة فحسب , إنما قد تشكل ضررًا بالغا للدول التي لا تأخذ بأسباب العلم في معالجة قضاياها السكانية.

وأخيرا نؤكد أن موضوع تنظيم النسل والعملية الإنجابية قد لا يقف عند حدود الحِلِّ فحسب , إنما قد يتجاوز هذا الحِلِّ إلى حالة الضرورة التي لا بد ولا مفر منها.

 

مقالات ذات صلة