آخر الأخبار

زاد الدعاة
من عيون الشعر العربي

يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة” ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول رووا أبناءكم الشعر ، فبه يقدم الجبان ويجود البخيل ، وتحت هذا العنوان “زاد الدعاة من عيون الشعر العربي ” نختار نماذج من أهم ما كتب حول القيم والأخلاق النبيلة بما يوسع ثقافة الخطيب، وينمي مداركه وملكاته اللغوية والبيانية ، ويقوي جمله وعباراته بما يعلق في ذهنه من محفوظات من هذه النماذج الراقية الرائقة ،  ونبدأ بالحديث عن الكرم ، ولعل أهم شاعر عرف بهذا الخلق نظمًا وواقعًا هو الشاعر الجاهلي حاتم الطائي ، ولعل في اختيار وبروز هذا الشاعر الجاهلي في هذا الفن ما يؤكد أن الكرم فضلا عن كونه خلقًا إسلاميًا رفيعًا فإنه خلق إنساني شديد الرقي ينم عن نفوس صافية وأخلاق راقية ، ونظرة إلى الحياة جد ثاقبة ، ومن أشهر ما كتبه حاتم الطائي هو تلك الأبيات التي كتبها مخاطبًا زوجه ماوية وقد شرعت تعاتبه على كثرة إنفاقه فقال :

أَمَــــــــــــاوِيّ ! إنَّ  المالَ  غَـادٍ   ورائِـحٌ

 وَيَبْقَى  مِنَ  المالِ  الأَحَادِيثُ  وَالذِّكْرُ

أَمَـــــــــــاوِيّ ! ما يُغْنِي الثَّرَاءُ  عَنِ  الفَتَـى

إذا حَشْرَجَتْ نَفْسٌ وَضَاقَ بِهَا الـــــصَّدْرُ

ويقول :

إذا كانَ بعضُ المالِ رَبّاً لأهْلِهِ

فــــإنّي، بحَمْدِ اللَّهِ، مالي مُعَبَّدُ

يُــــــفّكّ بهِ العاني، ويُؤكَلُ طَيّباً

ويُعْطَى ، إذا مَنّ البَخيلُ المُطَرَّدُ

ويقول :

ذرينى أكن للمال ربّا، ولا يكن

لى المال ربّا، تحمدى غبّه غدا

أرينى جوادا مات هزلا، لعلّنى

أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا

ويقول :

ذَرِينـــــــــــي يكُنْ مالي لعِرْضِيَ جُنّة

يَقي المالُ عِرْضِي، قبل أن يَتَبَدّدا

 

ويقول:

لعمري لقدماً عضني الجوع عضة

فآليت ألا أمنع الـــــــــــدهر جائعا

فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني

فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا

 

ويقول:

يَقولُونَ لِي، أَهْلَـــكْتَ مالَكَ فاقْتَصِدْ

ومــــــــــــــا كنتُ لَوْلا ما يَقُولُونَ سَيِّدا

كُلـــــــــوا اليومَ مِن رزقِ الإلهِ وأيْسِرُوا

فـــــــــــــــإنَّ على الرحمنِ رِزقكُمُ غَدا

 

ويقول:

ألا لا تَلُــــــــــــــــوماني على ما تَقَدّما

كفى بصُرُوفِ الدّهرِ، للمرْءِ، مُحْكِما

فإنّــــــــــكُما لا مــــــا مـــضَى تُدْرِكانِهِ

ولَسْتُ على مـــــــــــــــــا فاتَني مُتَنَدّمَا

أهن للــــــــــذي تـهـوى الـبـلاد فـإنـه

إذا مـــــــت كان المال نهبـا مـقـسـمـا

ولا تـشــــــــــقـين فـيه فــــــيسـعـد وارث

بــــه حين تغشى أغبر الجوف مظلـمـا

قلــــــــــــــيلا بـه مـا يحـمـدنـــك وارث

إذا نــــــــال مما كنت تجمـع مـغـنـمـا

فجـــــــــــاور كريما واقتدح من زناده

وأسنــــــــــــــــــد إليه أن تطاول سلما

ويقول الإمام الشافعي رحمه الله :

تستر بالسخاء فكل عيــــــب

يغطيه كما قيل السخـــــــاء

ولا ترج السماحة من بخيل

فما فى النار للظمان مـــــاء

ورزقـــــك ليس ينقصه التأنى

وليس يزيد فى الرزق العناء

ومن نزلت بساحته المنايا

فلا أرض تقيه ولا سمــــــــاء

وأرض الله واســـــــــعة ولكن

إذا نزل القضا ضاق الفضاء

ومن أجمل ما قيل في وصف الكرم وإكرام الضيف كقصيدة الحطيئة في وصف أعرابي أكرمه غاية الكرم عندما حل به ضيفًا ، يقول مصورًا حال هذا الرجل وأهله عندما رأو الضيف وكيف عاملوه :

رأى شبـــــحاً وسط الظــلام فراعــــــهُ

فلمـــا بدا ضيفاً، تســـــور واهتمــــــــــا

وقــــــال هيا رباه ضيــــف ولا قـــــــرى

بحقك لا تحرمــه تالليلـــة اللحمــــــــــا

فقــــــــــال ابنه لمــا رآه بحيـــــــــــــرة

أيا أبتــــي اذبحني ويســر لــه طعمــــا

ولا تعتـــــــذر بالعــــدم عـلّ الذي طرا

يظـــــــن لنا مـالاً فيوسعنـــا ذمـــــــــــــا

فبينــــــــــا هما عنت على البعـد عـانــة

قد انتظمت من خلف مسحلها نظمـا

عطاشا تريد المـــاء فانســاب نحوهـــا

على أنه منهـــا على دمهـــــا أظمـــــــا

فأمهـلهـــــــــا حتـــــى تــروي عطاشهـــا

فأرسـل فيهــــا من كنانتـــه سهمــــــــــا

فيــــــــا بشـــره إذ جرهـــا نحو قومه

ويـا بشرهــم لمــا رأوا كلمهــا يدمـــى

فباتـــوا كراماً قــد قضوا حــق ضيفهــم

فلم يغرمـوا غرمـاً وقد غنمــــوا غنمــــا

وبـــــات أبوهــــم مــــن بشاشتــــه أبـــاً

لــــضيفهـــم والأم مـــن بشرهــــا أمــــا

وللحديث بقية

 

 

مقالات ذات صلة