وجوه العلماء ليست كالحة

إذا كان الأنبياء جميعًا قد بعثوا رحمة للعالمين , وكانت رسالة الأديان كلها رسالة المسامحة والتسامح في أسمى معانيهما , وكان العلماء ورثة الأنبياء , فلا يمكن أن تكون رسالة العلماء هي العسر أو المشقة على الناس , ولا يمكن أن تكون وجوههم كالحة أبدًا , وهذا مضرب المثل سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : يأتيه شاب يستأذنه في الزنا !! فصاح به الناس ، لكنه (صلى الله عليه وسلم) قربه منه وقال له في منتهى اللطف والرفق : (أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟) قَالَ : لا ، قَالَ : (وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟) قَالَ: لا، قَالَ : (وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ ؟…..) ثم وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِ هَذا الشَّابّ ، وَقَالَ : (اللَّهُمَّ كَفِّرْ ذَنْبَهُ ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ), وقام أعرابي فبال فِي الْمَسْجِدِ , فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : مَهْ مَهْ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ , فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يأخذه ويعلمه آداب المسجد في رفق ولين ورحمة وحنو , فيقوم الرجل فيصلي داعيًّا : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا , أي ضيقت واسعًا .

ويأتيه (صلى الله عليه وسلم) أحد الناس فقال يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ , قَالَ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ ,  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : لا , قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لا  , فَقَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لا , قَالَ : فَمَكَثَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)  فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ , وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ (وهو الزنبيل الكبير ) قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ : أَنَا  , قَالَ : خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ , فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ “.

ألا نتعلم هذه الرحمة وهذه السماحة من نبي الرحمة , نبي السماحة الذي بعثه ربه (عز وجل) رحمة للعالمين , فقال : “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” .

وقد قالوا : المؤمن سهل هين لين يألف ويؤلف ، والكافر فظ غليظ لا يألف ولا يؤلف , فالغلظة والقسوة صفات أهل النار .

والعالم الرباني , الصوفي الحق , الزاهد الحق , المتعلق به , لا يمكن أن يكون كالح الوجه ، عابس الطلعة ، مكفهر المنظر , بل هو كما قال الحق سبحانه في وصف أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه إلى يوم القيامة : “سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ” .

فالعين الباكية من خشية الله والقلب الخاشع لله , وسيلتا رحمة لصاحبهما في الدنيا والآخرة , والقلوب النيرة لا تعرف الحقد , ولا الغلظة , ولا الجفوة , ولا العناد , ولا الانتقام , ولا التشفي , إنما تعرف الرفق واللين والرحمة والإنسانية .

أما أولئك الذين طَمَس قلوبهم انتماؤهم إلى الجماعات الإرهابية الضالة المضلة وتنظيماتها المحلية والدولية وأغرتهم بالمال أو الجاه أو الطمع في السلطة تحت خداع التمكين وانساقوا مأجورين لجماعات الخراب , يوهمون أنفسهم أنهم مجاهدون وأنهم صامدون إفكًا وزورًا , حتى شاب بعضهم على هذا البهتان وظنه أو توهمه مسلكًا لكثرة ألفته إليه وبنائه عليه والتفافه حوله وارتباط مصالحه به , فصاروا يكفرون غيرهم من العلماء أو يفسقونهم أو يرمونهم بالزيغ والضلال بلا بينة ولا دليل ولا برهان , يزكون أنفسهم بغير حق متناسين قول الله تعالى : ” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا”, فالوجوه الكالحة العابسة تُنفِّر من الإسلام ولا تدعو إليه , أما الوجوه السمحة الباسمة فهي مناط الأمل في الدعوة الحكيمة الراشدة .

مقالات ذات صلة