آخر الأخبار

تحويل القبلة وواقعنا المعاصر

أ.د/ محمد مختار جمعة
                                          وزير الأوقاف

لقد كان تحويل القبلة واحدًا من أهم الأحداث في حياة نبينا (صلى الله عليه وسلم) ، وحياة أصحابه وتاريخ أمتنا ، وذلك أن نبينا (صلى الله عليه وسلم) ظل يصلي تجاه المسجد الأقصى ستة عشر شهرًا ، وكان يؤمل أن تكون قبلته أول بيت وضع للناس بيت الله الحرام بمكة مسقط رأسه (صلى الله عليه وسلم)، وكان يقلب وجهه في السماء راجيًا ومؤملا ذلك ، وهنا كان العطف والكرم الإلهي ، حيث يقول الحق سبحانه : ” قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ” .

وقد تضمن هذا الحدث دروسًا منها :

  • إبراز مكانة الحبيب (صلى الله عليه وسلم) ، وبيان رفعة شأنه ، وعظيم منزلته                  (صلى الله عليه وسلم) عند ربه ، فإذا كان موسى عليه السلام قد قال : ” وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ” ، فإن الحق سبحانه وتعالى قد قال لنبينا (صلى الله عليه وسلم) ” وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ” ، وقال سبحانه : ” فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا “.
  • بيان حال أهل النفاق والتشكيك في كل شيء في كل زمان ومكان ، حيث قالوا كما حكى القرآن الكريم على لسانهم : ” مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ” ، وهنا كان الرد من فوق سبع سموات ” قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ” .
  • بيان مدى عمق العقيدة والإيمان والثقة في الله ورسوله ، وقد تجلى ذلك واضحًا أشد الوضوح فيما كان من أهل مسجد قباء حين بلغهم أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قد أُمر بالتحول في قبلته إلى الكعبة المشرفة وصلّى تجاها فاستداروا اليها وهم في صلاتهم فجعلوها قبلتهم ، مما يشهد بقوه إيمانهم ، ويدل على ذلك ما رواه  عبد الله بن عمر أنه قال “بينا الناس بقباء في صلاه الصبح اذ جاءهم آت وقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبه فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة”  ، ولهذا سمي مسجد القبلتين .

فالمؤمنون الصادقون في إيمانهم لم يرتابوا في أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنهم على يقين جازم بأن كل ما جاء به رسول الله حق لا مرية فيه ؛ لذلك قالوا: سمعنا وأطعنا ، وتحولوا في صلاتهم إلى الكعبة المشرفة دون تردد ، استجابة  لأمر الله (عز وجل) ، ولم ينتظروا حتى يُتموا صلاتهم!! وإنما تحولوا في الحال وهم في هيئة الركوع ، حيث أراد الله لهم .

  • لما قال بعض الناس ما بال من ماتوا قبل تحويل القبلة ؟ وماذا عن صلاتهم إلى بيت المقدس ؟ ، كانت الإجابة في قوله تعالى : ” وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ” .
  • تأكيدًا على أهمية الصلاة ومنزلتها ومكانتها في الإسلام ارتبط أمرها باثنين من أهم الأحداث الفارقة في تاريخ الإسلام الإسراء والمعراج ، حيث تم فرضها من فوق سبع سماوات ، وتحويل القبلة بما تضمنه من دروس وعبر .
  • بيان خيرية أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وشهادتها على سائر الأمم وهذه الشهادة تتطلب أن تكون أهلاً لهذه الشهادة ، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رضي الله عنه) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ . فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ : مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ) ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) :”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” ، فأمة اختارها الله للشهادة على سائر الأمم يجب أن تأخذ بما يستوجب هذه الأهلية وأن تكون بحق صاحبة رسالة رحمة وسلام للعالمين.
  • أن التحول هنا في مسألة القبلة ليس مجرد تحول مكاني فحسب ، إنما هو دلالة على حسن الاتباع ، والتحول الذي نريده هو كل ما يغير حياتنا إلى الأفضل ، من البطالة والكسل إلى مزيد من العمل والإنتاج ، ومن أي مظاهر للتشدد والغلو إلى السماحة واليسر ، ومن الجمود والتقليد إلى التأمل والتفكير ، ومن الهدم إلى البناء والتعمير ، والعلم والتقدم والرقي ، فإذا أردنا أن يحول الله (عز وجل) أحوالنا إلى الأفضل والأصلح في كل مجالات الحياة فعلينا أن نغير من أنفسنا بحسن التوكل على الله (عز وجل) واللجوء إليه، وأن نعْمَل ونكِدّ آخذين بأقصى الأسباب ، لأن الله (عز وجل) يقول: ” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” ، وهذا هو  التحول الذي يتطلبه واقعنا المعاصر .

 

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *