:أهم الأخبارمقالات

العصبية العمياء

mokhtar-gomaa3

دعا الإسلام إلى كل ما يعمق الروح الإنسانية ، وحسن الخلق ، وحسن المعاملة ، والتعايش السلمي بين البشر ، وحذر من كل ألوان الكبر والعجب والاستعلاء والعصبية العمياء ، والتفاخر بالأحساب والأنساب ، فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) في خطبته الجامعة في حجة الوداع : ” كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يُقَاتِلُ عَصَبِيَّةً وَيَغْضَبُ لعصبةٍ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ ” .

ويقولون من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول عن سيدنا سلمان الفارسي “سلمان منا آل البيت” ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول : والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل لعمل أولى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) منا يوم القيامة .

فإذا انتقلنا من الصحابة إلى التابعين وتابعي التابعين من الفقهاء والعلماء وجدنا سعة الأفق وقبولاً للآخر شخصًا ورأيًا ، حيث كان الإمام محمد بن إدريس الشافعي (رضي الله عنه) يقول : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، بل إن بعض الفقهاء قد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بما قرروه من أن كلا الأمرين قد يكونان على صواب ، غير أن أحدهما راجح والآخر مرجوح ، وأن الأقوال الراجحة ليست معصومة ، كما أن الأقوال المرجوحة ليست مهدومة ، طالما أن لصاحبها حظًا من الاستدلال والنظر والدليل الشرعي المعتبر .

كما قرر الفقهاء أن المختلف فيه لا ينكر إنما ينكر على من خرج على المتفق عليه إجماعًا ، بفعل المتفق على وجوب تركه أو ترك المتفق على وجوب فعله أو فتواه بهذا أو ذاك ، أو دعوته إليه ، ولعل المثال الأبرز في هذا الشأن هو فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) لقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ” ، فمن أخذ النص على ظاهره أخّر العصر حتى الوصول المكاني إلى بني قريظة ، ومن فهم أن القصد هو الحث على الإسراع والجد في المسير قالوا إنما أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) الإسراع وعدم التأخر ، فصلى هؤلاء العصر في وقته ، وأجّل هؤلاء الصلاة حتى وصولهم إلى ديار بني قريظة ، فلم ينكر النبي (صلى الله عليه وسلم ) على هؤلاء ولا على أولئك .

على أن قبول الآخر أورفضه يقوم على أمور ، أهمها :

  • مدى الفهم والفقه وسعة الأفق ، فكلما اتسع أفق الشخص أو العالم أو الفقيه أو طالب العلم ، كان أكثر التماسًا للأعذار وتقديرًا للمواقف ، وكلما ضاق أفقه ووقف عند الرأي الذي لا يعلم غيره تشدد وتشدق وانتفخ عصبية وعجبًا ، أو قد قالوا : أنحى الناس من لا يخطئ ، ذلك أنه يعرف الوجوه المتعددة التي يمكن أن يحمل عليها النص أو الضبط .
  • مدى التجرد أو النفعية ، فكلما كان المرء أكثر تجردًا كان أقل عصبية إلا للحق وبالحق ، وكلما سيطرت النفعية على الشخص دفعته وقادته إلى العصبية العمياء .
  • الانتماء للجماعات الأيدلوجية المتطرفة التي لا تقيل من عناصرها غير التبعية العمياء واستسلام العقل ، ومحاولة تأليه المرشدين ، لتنسحب الطاعة العمياء في أمور الدين على الطاعة العمياء في سائر الأمور باعتبار كلام المرشد والأمير كله دينًا ، وهو ما جر هذا الشباب المغرر به إلى استباحة الدماء والتخريب والإفساد دون تفكير في الدين أو إعمال للعقل ، مما يؤكد أن هذه الجماعات الأيدلوجية المتطرفة كلها خطر شديد على الدين والوطن ، وأن العمل على كشف حقيقتها وتفنيد أفكارها والعمل على تفكيكها فكرًا وبناء واجبًا شرعيًا ووطنيًا .

 

المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى