:أهم الأخبارمقالات

ليس مجرد رأي

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف
أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

    لا شك أن فكرة تعميم الخطبة المكتوبة المقروءة بالنسبة لنا ليس مجرد رأي ، إنما هي فكرة مدروسة دراسة جيدة واعية ، بل إنها أخذت قدرًا كبيرًا من الدراسة والمشاورة ، مع كثير من العلماء والمثقفين والمفكرين وبعض السادة النواب ، وأنها ليس ذات أي مغزى سياسي ، كما أنها لا تؤدي ولا يمكن أن تؤدي كما يقال إلى قتل للإبداع ، فلدى الإمام المتخصص متسع بالدروس والندوات والقوافل ووسائل الإعلام المختلفة : المرئية والمسموعة والمقروءة .

    أما الجمعة فهي شعيرة لا ينبغي الخروج بها عن مغزاها الشرعي إلى أية أمور سياسية أو حزبية أو طائفية أو المتاجرة بها لصالح جماعة أو حزب أو فصيل ، كما لا ينبغي استخدامها للحشد الحزبي ، أو تحويلها إلى أداة فُرقةٍ وانقسام بدل أن تكون وسيلة جمع وتأليف للقلوب والنفوس

     وكان الإمام أحمد بن حنبل ( رحمه الله ) يرى أن الخطبة المكتوبة أوثق وأضبط ، و أكثر احترامًا لعقلية المستمع ، ذلك أن بعض الخطباء قد لا يملك نفسه فى ضبط الوقت فيحبس الناس على اختلاف ظروفهم وقتًا مبالغًا فيه ، وفيهم المريض وغير المحتمل للجلوس لهذا الوقت ، إضافة إلى مخالفة هذه الإطالة للسنة ، فخطب النبي ( صلي الله عليه وسلم ) وخطب أصحابه وخطب التابعين وأهل العلم تتسم بالبلاغة والإيجاز ، وأن أطول خطبة وصلت إلينا من خطب رسول الله    ( صلى الله عليه وسلم ) وهي خطبته ( صلى الله عليه وسلم ) فى حجة الوادع لا تصل إلى  نحو اثنتي عشرة دقيقة ، وأكثر خطبه ( صلى الله عليه وسلم ) وخطب أصحابه وخلفائه الراشدين تقل زمنا عن ذلك بكثير ، وجمهور الفقهاء  على أن من علامة فقه الرجل قِصَر الخطبة وإطالة الصلاة ، حيث يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ): «إِنَّ طُولَ الصَّلَاةِ، وَقِصَرَ الْخُطْبَةِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ»  ( المستدرك للحاكم ) .

    هذا إضافة إلى أن هذه الإطالة غالبًا ما تشتت الموضوع بما يربك المستمع أو الملتقي ويشتت ذهنه وتركيزه ، وربما يصرفه ذهنيًّا عن الخطبة بالمرة .

    وقد ناقشت بعض العلماء والخطباء ممن يلتزمون بالخطبة المكتوبة المقروءة هل يؤثر ذلك على أدائهم ؟  فأجابوا بالنفي القاطع ، وبأن الخطبة المكتوبة المقرءوة تزيد من تمكن الخطيب ، ذلك أن ذهنه  لا يكون مشغولًا بالاستذكار ، إنما يكون جل تركيزه على الأداء ، أما التفاعل مع الفكرة فلا علاقة له بالقراءة أو عدمها ، إنما يرتبط بمدى قناعة المتحدث بالموضوع الذى يتناوله .

     غير أن  بعض الناس قد ينفرون من كل جديد ، سواء أكان اجتهادًا فكريًّا ،أم تنظيميًّا إداريًّا ، وربما يكون ذلك بحكم العادة والارتباط والركون إلى المألوف ، وإن كنا نرى أيضًا أن بعض أصحاب المصالح والاتجاهات الفكرية والتنظيمية لا يمكن أن يروق لهم ذلك ، إذ يرونه تضييقًا عليهم ، وهو فى الواقع سد لبعض منافذ الفتنة والاستغلال الخاطئ للمنبر ، والاستغلال السياسي للدين أو المتاجرة به .

     وقد أكدنا و مازلنا نؤكد وسنظل نؤكد أن موضوع تعميم الخطبة الموحدة المكتوبة المقرءوة ليس سياسيًّا ، إنما هو محاولة جادة لإعادة صياغة وتشكيل أسس الفهم المستنير وفق منهجية علمية مدروسة وشاملة .

المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى