من وحي الهجرة

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

الهجرة النبوية تعد من أهم الأحداث في تاريخ الإسلام إن لم تكن الحدث الأهم فيه ، وهو ما حمل الصحابة على التأريخ بها لأمة الإسلام ، فقد كانت نقطة تحول هامة في هذا التاريخ العظيم ، وبداية البناء العملي لدولة الإسلام في المدينة المنورة ، ذلك البناء الذي قام على عدة أسس ، من أهمها :

1-  المؤاخاة وترسيخ فقه التعايش ومبدأ العيش المشترك بين البشر ، ذلك المبدأ الذي اتخذ من المدينة المنورة أفضل أنموذج في تاريخ البشرية ، سواء فيما بين المسلمين ، أم فيما بينهم وبين الطوائف الأخرى من سكان المدينة .

ففيما بين المسلمين رسخ الإسلام مبدأ الأخوة والمؤاخاة ووحدة الصف ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” (آل عمران : 103) ، ويقول سبحانه : ” وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ” (الأنفال : 46) ، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه ” (رواه مسلم) .

وفيما بين المسلمين وبين غيرهم تعد وثيقة المدينة أعظم أنموذج لفقه التعايش في تاريخ البشرية ، فقد أكد نبينا (صلى الله عليه وسلم) : أن يهود بني عوف ، ويهود بني النجار، ويهود بني الحارث ، ويهود بني ساعدة ، ويهود بني جشم، ويهود بني الأوس ، ويهود بني ثعلبة، مع المؤمنين أمة ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم ،وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا  محاربين،  وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وأن من خرج منهم فهو آمن، ومن قعد  بالمدينة فهو آمن , إلا من ظلم أو أثم ، وأن الله (عز وجل) جار لمن بر واتقى , ومحمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .

فأي إنسانية , وأي حضارة , وأي رقي , وأي تعايش سلمى ، أو تقدير لمفاهيم الإنسانية , يمكن أن يرقى إلى ما كان من تسامح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإنصافه , ألا ترى إلى قوله (صلى الله عليه وسلم) : ” لليهود دينهم ” قبل أن يقول : ” للمسلمين دينهم ” ، ليكون في أعلى درجات الإنصاف والتسامح .

2-  المسجد ورسالته ، تلك الرسالة التي تقوم على أن المسجد للعبادة والذكر والتربية على مكارم الأخلاق ، بعيدًا عن كل ألوان الأثرة والنفعية والأنانية ، فالمسجد لما يجمع ولا يفرق ، وهو وسيلة بناء لا هدم ، فمن حاول توظيف المسجد لأغراض سياسية أو حزبية أو شخصية ، فقد خرج به عن مهمته الإيمانية إلى مصالح ضيقة ، وإذا كان أهل العلم على أن المسجد ليس للبيع أو الشراء أو إنشاد الضالة ، فإن ذلك يقتضي تنزيهه عن كل ما يخدم المصالح الخاصة أو الشخصية أو الحزبية أو الفئوية أو الطائفية .

أما استخدام المساجد من قبل أي فئة ضالة أو منحرفة أو مضللة للحشد والتظاهر ، أو القتل والتخريب ، وترويع الآمنين ، فهذا عين الفساد والإفساد ، ويعد خيانة شرعية ووطنية ، لأن الدين لا يسمح ، والوطن لا يقر ولا يحتمل ، ولا ينبغي أن نقابل الحسنة بالسيئة ، أو أن نرد جميل الوطن واحتضانه لنا بالجحود والنكران أو الهدم والتخريب ، ولله در شوقي ، حيث يقول :

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ                     يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ

وأما المفهوم الأعظم للهجرة فهو كونها لله ورسوله ، كونها هجرة من الضلال إلى الهدى ، ومن الظلمات إلى النور ، ومن الظلم إلى العدل ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الخيانة إلى الأمانة ، ومن خلف العهد إلى الوفاء به ، ومن البطالة والكسل إلى العمل والإنتاج ، يقول الحق سبحانه : ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ” (الرعد : 11) ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ” (البخاري) .

وقد أصّلت الهجرة النبوية دروسًا عظيمة في ضرورة مراعاة فقه الواقع ، ومن ذلك ما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع صفوان بن أمية ، ذلك أن صفوان عندما أسلم قيل له : إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ ، فقال : لا أَصِلُ إِلَى بَيْتِي ، حَتَّى أَقْدُمَ الْمَدِينَةَ ، فلما بلغ المدينة نزل على العباس بن عبد المطلب ، فذهب به إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ” مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا وَهْبٍ ؟ قَالَ : قِيلَ إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ ، فَقَرُّوا عَلَى مِلَّتِكُمْ ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِنِ اسْتُنْفِرْتُمْ ، فَانْفِرُوا ” ( البخاري ) .

فمع أن الهجرة ارتبطت بمرحلة وحالة معينة من أحوال المسلمين وهي مرحلة الأذى والاستضعاف التي كان عليها المسلمون ، حيث يقول الحق سبحانه : ” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا .. ” (النساء : 97) ، فلما أعز الله الإسلام ومكن له بفتح مكة وزالت حالة الاستضعاف التي كانوا عليها تغير الحكم من الحث على الهجرة واعتبار ذلك مطلبًا شرعيًا إلى الحكم بانتهاء الهجرة الجسدية التي تعنى الانتقال من مكة إلى المدينة ، ومطالبتهم بالاستقرار في أماكنهم  ” ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة .. لا هجرة بعد فتح ” ، وفي ذلك رد واضح على من يريدون أن يفرضوا بلا فقه ولا فهم فتاوى ناسبت زمانها ومكانها وبيئتها وحالة أو أحوال معينة على جميع الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال ، وتلك طامة غير المتخصصين وغير المؤهلين الذين يريدون أن يقحموا أنفسهم فيما ليسوا له بأهل من شئون الدعوة والفتوى .

كما أن بالهجرة درسًا هامًا لا يمكن تجاهله أو تجاوزه ، هو تكامل الأدوار في رحلة الهجرة بين أبناء المجتمع جميعًا من الرجال والنساء والشباب ، ففي الوقت الذي صحب فيه أبو بكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وواساه بنفسه وماله ، حتى قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ” إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ” (صحيح البخاري) ، نام ذلك الشاب الذي نشأ في بيت النبوة علي بن أبي طالب في مكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في أنموذج فريد من نماذج التضحية والفداء ، كما أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد عهد إليه برد الأمانات التي كانت عنده ( صلى الله عليه وسلم ) إلى أصحابها ، إلى جانب هذا وذلك كانت أسماء بنت أبي بكر المعروفة بذات النطاقين تشق طريقها إلى غار ثور بالطعام إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصاحبه ، وقد ضمت بيعة العقبة الثانية اثنين وسبعين رجلا شبابًا وشيوخًا وامرأتين ، مما يؤكد على أن التعاون والتكامل والتنسيق وصدق النية وإخلاصها وتغليب العام على الخاص من أهم أسباب النجاح ، فالعلاقة بين الرجل والمرأة ، وبين الشباب والشيوخ ينبغي أن تكون علاقة تكامل وتكافل وتراحم ، لا علاقة نزاع ولا شقاق ، فللرجل حقوقه وعليه واجباته ، وللمرأة مثل ذلك ، كما أننا في حاجة إلى خبرة الشيوخ وحماس الشباب معًا ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ” ( الترمذي) .

مقالات ذات صلة