مصر التي لا تعقم

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       بعد مرور أسبوعين من انطلاق ملتقى الفكر الإسلامي نستطيع أن نقول : إن مصر لم ولن يصيبها العقم ولا الجمود ، بل إنها كانت وما زالت وستظل نجيبة ولادة ، قادرة على التجديد والإبداع والابتكار ، وإن ما قدمه العلماء ، والسياسيون ، والإعلاميون ، والمفكرون ، والمبدعون ، من رؤى فكرية شجاعة ليؤكد أننا قادرون على اقتحام المجالات الصعبة والقضايا الفكرية الشائكة التي كان يتهيب كثيرون الاقتراب منها لحساسية الخوض فيها ، غاية ما في الأمر أننا نحتاج إلى مزيد من إعمال العقل , وإلى النظرة الموضوعية والوطنية للقضايا ، وإلى دراسة القضايا في ضوء المستجدات العصرية , وما يتطلبه فقه الواقع , وفقه المقاصد , وفقه الأولويات .

      على أن أهم ما يتميز به هذا الملتقى هو اللحمة غير المسبوقة بين علماء الدين ، والمثقفين ، والسياسيين ، والمفكرين ، والأدباء ، والمبدعين ، وتلك اللحمة المقصودة بين جمهور الملتقى من شباب أئمة الأوقاف ، وشباب الجامعات ، وطالبات الجامعات ، لنؤكد على أن الإسلام ينظر إلى المرأة نظرة تقدير لا نظرة إقصاء من الحياة العامة ، كما أننا عمدنا وعن قصد من خلال هذا الجمع المقصود لنخبة من علماء مصر ومن شبابها من مشارب واتجاهات علمية وفكرية متعددة إلى كسر النظام التقابلي بين علماء الدين وغيرهم ، لنقضي على ثنائية استمرت طويلا ، وأثرت سلبا ، وأنتجت فرقة ، تحت مسمى: “نحن وهم” ، لننطلق منطلقا جديدًا يجمع ولا يفرق في خدمة الدين والوطن.

      ولم يقف تناول الملتقى عند الموضوعات ذات الصلة بالجانب العقدي أو التعبدي فيما يتصل بالعلاقة بين العبد وربه ، وإنما انطلق في آفاق متعددة تشمل كثيرا من جوانب حياتنا العصرية.

       ونسوق دلالة على ذلك جانبا مما تناوله ضيوف الملتقى فيما مر من حلقاته ، ففي الحديث عن نظام الحكم والمتاجرة بقضية الخلافة أكدت في الملتقى السادس أن الإسلام لم يضع قالبا جامدًا صامتًا محددًا لنظام الحكم لا يمكن الخروج عنه، وإنما وضع أسسًا ومعايير متى تحققت كان الحكم رشيدًا يقرّه الإسلام ، ومتى اختلّت أصاب الحكم من الخلل والاضطراب بمقدار اختلالها، مشيرًا إلى أن أي حكم يسعى إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد في ضوء معاني العدل والمساواة والحرية المنضبطة بعيدًا عن الفوضى والمحسوبية وتقديم الولاء على الكفاءة ، بحيث يهدف إلى تحقيق العدل بكل ألوانه السياسية والاجتماعية والقضائية بين البشر جميعًا ، ويعمل على توفير الحاجات الأساسية للمجتمع من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وبنى تحتية من : صحة ، وتعليم، وطرق، ونحو ذلك مما لا تقوم حياة البلاد والعباد  إلا به ، ويقضي على الفساد ، ويوفر حرية المعتقد ، ولا يمنع الناس من إقامة شعائرهم ، فإنه يُعد حكمًا رشيدًا سديدًا موفقًا ، مرضيًا عند الله وعند الناس إلا من حاقد أو حاسد أو مكابر أو معاند أو خائن أو عميل.

       وفي الحديث عن الحرية مقابل المسئولية في الملتقى الحادي عشر أكد الأستاذ أسامة هيكل وزير الإعلام الأسبق على أن وظيفة الإعلام الحقيقية هي تقديم المعلومة التي يحتاجها المجتمع ، وأن الحرية ليست مطلقة ، فللحرية ضوابط وحدود يمنحها المجتمع للإعلام والصحافة لكي يحصلوا على المعلومة التي يمكن تقديمها للمجتمع ، وتشكل وعيًا مجتمعيًا وتعمل على صياغة عقول الشباب نحو التقدم والرقي ، أما إذا لم يتسم الإعلامي أو الصحفي بالمسئولية وقدم معلومة خاطئة فيجب محاسبته ، مشيرًا إلى أن الدول ذات التجارب لها آليات جيدة لمحاسبة المقصرين في سائر المجالات .

        وفي الحديث عن الجهاد وضوابطه في الملتقى التاسع أكد أ.د/ سعد الدين الهلالي أن ما دعا إليه حسن البنا وسيد قطب من أفكار إنما هي أفكار الخوارج ، وأن الجهاد شيء مطلوب ولكن بمفهومه الصحيح، فلفظ الجهاد يفسره البعض بالقتال أي أن أذهانهم تنصرف إلى القتال وحده وهذا تفسير خاطىء، فالجهاد يأتي بمعنى العمل والاجتهاد ، وبذل الطاقة في التعليم وغيره من كل ما يؤدي إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد في أمور دينهم أو أمور دنياهم ، وليس هذا فحسب ، بل السعي علي الأرملة والمسكين جهاد ، وقيام الليل جهاد ، وليس الجهاد كما يفسرونه استخداما للقتل وترويعا للآمنين ، فعلينا جميعا أن نجتهد في تصحيح المفاهيم الخاطئة ، تحصينا لشبابنا ولمجتمعنا من كل ألوان الانحراف ، سواء أكان انحرافا فكريا أم سلوكيا.

مقالات ذات صلة