فرحة الأيتام لا مأتمهم

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لقد عنى الإسلام بشأن اليتيم عناية خاصة قبل بلوغه الحلم وبعد بلوغه الحلم , وأمر بإكرامه ورعايته ورعاية أمواله , وحذر من إيذائه وقهره , فقال الحق سبحانه : ” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ” , وذم أهل الجاهلية على تقصيرهم في حق اليتيم , فقال سبحانه وتعالى : ” كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ” , وحذر من أكل أموالهم أو المساس بها بغير حق فقال سبحانه وتعالى : ” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ” , وجعل إكرام اليتيم وسيلة لمرضاة الله عز وجل في الدنيا والآخرة وسبيلا لرفقة النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” أنا وكافل اليتيم هكذا في الجنة , وأشار (صلى الله عليه وسلم) بأصبعيه السبابة والوسطى ” .

       ومع كثرة وتنوع ما يمكن أن يقدم لليتيم من رعاية أو عناية أو حنو أو إطعام أو كسوة أو إيواء أو نحوه فإن القرآن الكريم قد آثر لفظ الإصلاح على أي لفظ آخر , فقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ” , فكلمة ” إصلاح ” أمر جامع لكل ما يحتاجه اليتيم وما من شأنه أن يصلح حاله ، ولو أنك فتشت في معاجم اللغة ومفرداتها واستخدمت جميع نظريات ما يُعرف في النقد الحديث بالبدائل اللغوية والحقول الدلالية ونظريات الاستبدال الرأسي والأفقي لتبحث عن أي كلمة يمكن أن تقوم مقام كلمة “إصلاح” لما وجدت أي كلمة أخرى تدانيها أو تقاربها بلاغة أو فصاحة في موضعها هذا , ذلك أن اليتيم قد يكون فقيرًا في حاجة الإطعام أو الكسوة أو الإيواء , فيكون الإصلاح بتوفير ذلك له , وقد يكون اليتيم غنيًا يحتاج إلى من يقوم على شأنه والعناية بماله والحفاظ عليه والعمل على تنميته فيكون الإصلاح هو القيام بذلك على الوجه الأكمل , وقد يكون اليتيم غنيًا وله من إخوته أو أعمامه أو أخواله من يقوم على شئونه الاقتصادية خير قيام , غير أن هذا اليتيم قد يكون في حاجة إلى العطف والحنو الذي قد يعوضه شيئًا من حنان الأب أو الأم أو الأبوين , وهنا يكون إصلاحه في إكرامه والحنو عليه والرحمة به , وفي هذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ” ، وقد يكون اليتيم في حاجة إلى التعليم والتهذيب والتأديب والتوجيه والتربية الحسنة والتعهد بمكارم الأخلاق وصالحها , مع ترسيخ الانتماء للوطن والوفاء له ومعرفة حقوقه على الفرد والمجتمع , فيكون إصلاح اليتيم هو القيام بذلك .

       ولم تقف عناية الإسلام باليتيم عند مرحلة الطفولة أو اليتم إنما شملته هذه العناية  حتى عند استوائه رجلاً وحصوله على كل حقوقه كاملة غير منقوصة ، يقول الحق سبحانه وتعالى : ” وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ” .

        ومعلوم أن دفع مال اليتيم إليه إنما يكون بعد بلوغ الحلم , لكن القرآن الكريم عبر بلفظ ” اليتامى ” باعتبار الحال والصفة التي كانوا عليها ترقيقًا للقلوب وحثًا لها على الوفاء بحقهم , وتأكيدًا على ضرورة مراعاة ما كانوا عليه , وأن ذمة القائمين على أموالهم لا تبرأ من أكل مال اليتيم حتى يدفعوا إلى هؤلاء اليتامى كامل حقوقهم وأموالهم , لكن بعض هذه الجمعيات والمؤسسات تجمع الأموال الضخمة لصالح الأيتام , ثم تصرف بعضها في غير ما خصصت له , أو تعمد إلى المتاجرة بها تحت زعم استثمارها وتنميتها لصالح الأيتام , ويبقى حال اليتيم في البؤس والهوان والشقاء , وهذا يجعلنا نحذر بشدة من أمر ونوصي بشدة بآخر , أما الذي نحذر منه فهو أن يحاول بعض من يتاجرون بالدين وبكل شيئ أن يتاجروا بقضايا الأيتام , فيتخذوا من دور الأيتام صيدًا ثمينًا لتوظيف ذلك لمصالحهم الخاصة على نحو ما كان يحدث من بعض القائمين على هذه الدور من جمع بطاقات أمهات الأيتام وحملهن على التصويت لصالح مرشح بعينه تحت وطأة الترهيب بقطع الكفالة أو المعونة ، أو الترغيب بزيادة ذلك ، واستغلال حاجتهن استغلالا غير قانوني ولا مشروع .

       وأما الذي نوصي به فهو تشديد الرقابة على دور الأيتام , سواء فيما يتصل بجمع الأموال ، أم بسبل إنفاقها , أم بطرائق التربية بدور الأيتام , أم بنظم الإعاشة بها , أم بطريقة توزيع الكفالات والإعانات والمساعدات , أم بمراقبة الوسائل التربوية والمادة العلمية التي تقدم لهؤلاء الأيتام ومعرفة من يقومون على أمر هذه الدور وفحصهم فحصًا وطنيًا دقيقًا بما يؤكد بعدهم الكامل عن التطرف والإرهاب والتشدد والغلو , حتى لا نكون قد وضعنا أبناءنا وسلمناهم بأنفسنا لمقصلة التشدد والإرهاب .

       وأختم بأننا نريد للأيتام فرحة حقيقية وليس مأتمًا جديدًا كهذه الحرقة التي تصيبهم عندما تجمع بعض الدور ما قدم لهم من هدايا لتبيعه دون رحمة أو إنسانية عقب انصراف مقدمي هذه الهدايا من زائري هذه الدور في يوم اليتيم .

مقالات ذات صلة