عظمة القضاء المصري

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

       يكشف قضاؤنا المصري الشامخ كل يوم عن جانب من جوانب شموخه وعظمته في خدمة القضايا الوطنية كما يكشف عن عمق ثقافة قضاتنا العظماء ، سواء في مجال القانون أم في مجال الشريعة أم في مجال القضايا الوطنية ، فبينما نحتفل بعيد تحرير سيناء وما كان لرجال القانون ورجال القضاء المصري الشامخ من دور تاريخي عظيم في استرداد طابا المصرية من براثن العدو الصهيوني ، يفاجئنا القضاء المصري بحكم تاريخي كأنه يهديه لنا في ذكرى تحرير طابا حول آليات تجديد الخطاب الديني ، وأحقية أهل العلم والاختصاص في الأزهر والأوقاف دون سواهم من الدخلاء وغير المتخصصين بتنظيم الشأن الدعوي ، والتأكيد على أن الولاية على المساجد وتنظيم شئونها الدعوية هو حق أصيل لوزارة الأوقاف من خلال تنسيقها مع الأزهر الشريف بموجب الشرع والقانون معًا، فمن الناحية الشرعية فالولاية على المساجد التي يعبر عنها الفقهاء بالولاية على الصلاة إنما هي إحدى الولايات الفرعية التي ينيب فيها رئيس الدولة أو من يخوله بحكم الدستور والقانون من يقوم بشئونها ، شأن الولاية على الجند التي هي لوزير الدفاع ، والولاية على الشرطة التي هي لوزير الداخلية ، والولاية على الأسواق التي هي لوزير التموين ، وهكذا في سائر الولايات .

       ومن ناحية القانون أكد هذا الحكم التاريخي العظيم بأسانيده القانونية والدستورية أحقية الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف متضامنين متكاملين في القيام بكل ما يتصل بتنظيم الشأن الدعوي وقصر ذلك على المتخصصين دون سواهم .

      وقد تضمن هذا الحكم في حيثياته صراحة أحيانا وضمنًا أحيانًا أخرى كثيرًا من القضايا المحورية في واقعنا المعاصر ، وفيما يتصل بالجوانب المتعددة لتجديد الخطاب الديني وتنظيم الشأن الدعوي ، نذكر منها :

1-  أن المجتمع الدولي بأسره بات يمر بأزمة حقيقية مصيرية لشعوب العالم نتيجة دعاة الإرهاب والعنف والتشدد وقتلة الإنسانية الذين يستغلون الدين لتحقيق مآربهم الدنيئة .

    ومن حيث إن الأزمة المصيرية لشعوب العالم من دعاة التشدد باسم الدين وما يصاحب هذا التشدد من عنف وإرهاب من الجماعات المتطرفة التي تستبيح الدماء والأموال ، فإن الأمر يقتضي الإسراع في تشخيص الداء ووصف الدواء ، خاصة وأن هاجس عدوى الإرهاب والتشدد لم يعد قاصرًا على دول العالم الثالت بل انتقل إلى عدة دول حتى المتقدم منها والمستقر ، ذلك أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له .

      ويتعاظم هذا الدور مع تطور التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال التي جعلت من العالم الفسيح قرية صغيرة  تعرف في الحال ما يدور في أخواتها ، ولما كان للنشاط الدعوي لوزارة الأوقاف  بالتعاون مع الأزهر الشريف دور جوهري عالمي ليس في مصر فحسب بل في كافة أقطار العالم أجمع ، لذا كان دورهما مضاعفًا ومسئولياتهما كبرى إزاء المواجهة الفكرية لما يحدث من إرهاب ، ويتوجب عليهما أن يبحثا بعلمائهما المتميزين كيفية تجديد  الخطاب الديني بطريقة تتناسب وروح العصر.

2-  أن أساليب و آليات تجديد الخطاب الديني التي يتعين انتهاجها في العصر الحديث لمواجهة ظاهرة الإرهاب يجب أن تجمع ولا تفرق ، تبشر ولا تنفر ، تصلح ولا تفسد ، تيسر ولا تعسر ، تصون ولا تبدد .

3-  أن الدين عقيدة وعلم ، عقيدة لكل إنسان في قرارة ذاته ، وعلم لتبيان أحكامه للناس خارج نطاق النفس ومنه يتفرع العديد من العلوم الشرعية ، له مناهجه في البحث وأساليبه في العرض وطرائقه في الدراسة .

4-  يجب أن يعتمد تجديد الخطاب الديني على الاعتدال ووسطية المنهج دون إفراط أو تفريط , كما يجب أن يكون تجديد الخطاب الديني موافقًا للقلوب وللعقول حتى إذا تلقته تلقفته بالارتياح والقبول , وأن يتسم بالتنوع لكافة فئات المجتمع فلا يقتصر على فئة دون أخرى , وأن يكون رائده التيسير على العباد لا التعسير عليهم , وأن يبتعد عن الركود والجمود , كما يجب أن يتسم بروح التسامح التي يشعها الإسلام التي تقتضي الاحترام والإجلال والتحاور مع أصحاب الأديان السماوية , فرسالة الإسلام للعالمين تتمثل في الرحمة التي تحمي ولا تهدد وتصون ولا تبدد .

     وبما أن المساحة المحددة لهذا المقال لا تفي بإبراز ما تضمنه هذا الحكم من فكر مستنير وفقه قانوني عميق ، ورؤية شرعية واعية ، فإننا قررنا أن  نتخذ من توصياته مرتكزاً رئيسا لمؤتمرنا القادم حول آليات تجديد الخطاب الديني الذي يعقد في الخامس والعشرين من شهر مايو المقبل بإذن الله تعالى ، على أننا سنستفيد في مؤتمرنا بكل الجهود الوطنية المخلصة لرجال التربية والتعليم ، والأدباء ، والباحثين ، والسياسيين ، والإعلاميين ، وعلماء النفس والاجتماع ، رجاء أن نخرج برؤية واضحة ترقى إلى أمل الأمة والعالم فينا ، وتتناسب ودور مصر الريادي عربيًا وإسلاميًا وإقليمًيا وعالميًا بمواجهتها للإرهاب وقوى الشر والظلام ، فإنها تُعد خط الدفاع الأول في هذه المواجهة وتدفع ثمن  دفاعها عن الأمة وسلامها ، بل عن أمن العالم وسلامه ، فدورنا الريادي الفكري والتنويري لا ينبغي أن يكون أقل من الدور الرائد لقواتنا المسلحة الباسلة .

مقالات ذات صلة