خطبة الجمعة 25 من أكتوبر 2013م الموافق 20 من ذي الحجة بعنوان ….

أ . د / محمد مختار جمعة مبروك

وزير الأوقاف

 

حقيقة التوكل على الله


قد يكون التنظير  للمصطلحات العلمية والفكرية والدعوية والإيمانية سهلاً عند كثير من العلماء والمثقفين، وحتى لدى بعض أشباه المثقفين وفق محصولهم الثقافي  والمعرفي ، لكنَّ  القضية الحقيقية تكمن في مستوى الوعي بالمصطلح ومستوى تطبيقه .

فالتوكل على الله عز وجل يقع في منطقة وسط  بين الشطط في الأسباب  والتعلق  المطلق بها  وبين التواكل القائم على إهمال الأسباب أو تعطيلها أو تهميشها ، فهو قائم على الأخذ بالأسباب  بقوة وجدية، وهمة وعزيمة، وتفويض أمر النتائج لله –  عز وجل – ، فعندما يقول الحق سبحانه :-  ”  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ” يقول أهل العلم : إن ” ما  ” هنا غائية ، أي أعدوا  لهم أقصى ما تملكون وما تستطيعون من أسباب  القوة ، فإذا أخذتم بهذه الأسباب فى أقصى درجاتها فأنتم  بين إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة ، ” وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ” ، أى أنكم لا تنتصرون بمجرد أسبابكم البشرية ، إنما بتوفيق الله لكم ، وإعماله لهذه الأسباب وإجراء حكمته بنفاذها لا بتعطيلها ، فهو القادر على إعمال الأسباب أو وقف حركتها وجريانها ، ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” ، غير  أن حكمته ورحمته وعدله اقتضت أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا .

ونرى الناس في هذه القضية ثلاثة أصناف :-

فريق عطّل الأسباب ، ولم يحسن التوكل ، وإنما تواكل وتكاسل ، فهؤلاء نقول لهم ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول  اللهم ارزقنى ، وقد علمتم أن السماء لا تمطر  ذهباً  ولا فضة .

كما نذكرهم  بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو توكلتم على الله عز وجل حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروحُ بطاناً ” أي تذهب شديدة الجوع وتعود  ممتلئة البطون   .

غير أنها تعمل وتتحرك وتأخذ بالأسباب ، فهي لا  تجمد في مكانها وأعشاشها  وتقول  اللهم ارزقني أو أمطر عليَّ حبَّك ورزقك ، إنما هي تغدو وتروح وتأخذ بالأسباب .

وممّا يدعم قضية الأخذ بالأسباب قوله  تعالى :” هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ” وقول النبي صلى الله عليه وسلم :” خيركم من يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” من بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له ”  ، وفي قوله تعالى لمريم – عليها السلام –  وهي نفساء : ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً إشارة واضحة إلى أهمية الأخذ بالأسباب ، وإلا فما عسى أن  تفعل نفساء ضعيفة في جذع نخلة راسخة قوية ، لقد كان من الممكن عقلاً وواقعاً أن يأتيها التمر على طبق من ذهب دون عناء أو تعب  ،  وهنا يقول الشاعر :

ألـم تـر أن  الله قـال لمــريــــم

وهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

جـنـتــه ولكـــن كل شـــىء له سبب

ويقول الإمام على رضي الله عنه :

لحمل الصخـر من قمــم الجـبـــال

أحـــب إلــيَّ مِن مَـنّ الرجــــــال
يقولٌ الناسُ لي في الكسبِ عيبُ

فقلت : العيبُ في ذلِّ السؤالِ

أما الفريق الثاني فقد أسرف في اعتماده على الأسباب ، ظاناً أو متوهماً أن الأسباب تؤدي بطبيعتها إلى النتائج ، غير مدرك أن للكون خالقا قادرًا حكيما يقول للشىء كن فيكون ، يعمل أسبابه حيث يريد ، ويعطلها حيث يريد ، وإننا في حاجة ماسة إلى رحمته وتوفيقه ، ولله در قائل:

إذا صح عون الخالق المرء لم يجد

عسيرا من الآمال إلا ميسرًا

وقول آخر :

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأول ما يجني عليه اجتهاده

وقول آخر :

إذا طاب أصل الشىء طاب فرعه

ومن عجب جادت يد الشوك بالورد

وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله

ليظهر حكم الله في العكس والطرد

ويقول الحق – سبحانه –  :- ” أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ {70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ {71} أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ {72} نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ {73} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ “، ويقول – سبحانه –  : – ” فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ” .

وأما الفريق الثالث فهو من شرح الله صدره للإسلام علمًا وفهمًا وتطبيقًا ، فأخذ بالأسباب بقوة ، مفوضًا أمره في النتائج إلى الله عز وجل،راضيًا بها، مدركا أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وما أصابه لم يكن ليخطئه ، تنطلق حركة حياته في ظل قوله تعالى ” وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ” ، وقوله تعالى: ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ” ، وقوله تعالى: ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ” ، وقوله تعالى :- ” مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” .

وكان سيدنا عراك بن مالك ، يأتي إلى المسجد يوم الجمعة مبكراً للصلاة ، فإذا قضيت الصلاة وقف على باب المسجد قائلاً : اللهم إني قد أجبت دعوتك ، وأديت فريضتك ، وانطلقت كما أمرتني فارزقني من فضلك الكريم ” استجابة عملية وتطبيقية لقوله تعالى :- ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ” .


 

مقالات ذات صلة