خطبة الجمعة 11من المحرم 1435هـ – 15من نوفمبر 2013م بعنوان ……

الرشوة والمحسوبية وخطورة كل منهما على الفرد والمجتمع

 

الحمد لله ربّ العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وليُّ الصالحين ، شهادةً أدّخرها عنده عُدة ليوم الدين ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله ، المرسلُ رحمةً للعالمين ، ومحجةً للسالكين، وحجةً على الخلق أجمعين، اللهم صلِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين .

وبعد:

فإن المتتبع لشريعة الإسلام يرى أن المال الصالح قوام الحياة ، ولقد أجمع الأنبياء والرسل قاطبة على الديانة بالتوحيد في مللهم ، وعلى حفظ المال والنفس والعقل والعرض.

كما أن الإسلام يدعو إلى كسب المال واستثماره وتنميته بالطرق المشروعة ، ويأبى أي عدوان على حقوق الناس المالية دون سبب مشروع، فيقول جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء:29] ويقول جلّ شأنه: ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [البقرة: 188] .

و كما أن العدوان على الدم والعرض منكر لا يقبل ، فكذلك العدوان على المال ، وفي خطبة الوداع بيَّنَ النبيُّ –عليه الصلاة والسلام– ما ينبغي لحقوق الناس المالية من قداسة، فقال بعد أن تساءل : أي شهر هذا ؟ أي بلد هذا ؟ :” فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَلَكُم عَلَيْكُم حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا فِي شَهْرِكُم هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ” [صحيح البخاري].

فمن خالف أمر الله بأكل الحرام فهو المعتدي ، ولا يرضى المسلم أن يُخْرج نفسه عن نطاق محبة الله باعتدائه ، لأن الله يقول: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ) [ المائدة 190 ] .

إن من طرق اكتساب المال الذي حرمته شريعتنا تحريمًا جازما  الرشوة ، أخذًا وإعطاءً وتوسطًا ، وذلك لخطرها الكبير على المجتمعات الإنسانية ، فهي من أشدّ الأمراض الاجتماعية فتكًا بالأمم ، فهي تفتك بالمجتمع فتكًا ذريعًا، وتهدر أخلاق الأمة وكيانها وتعود عليها بالوبال والدمار في الأسر والمجتمعات والأفراد والمال في الدنيا ويوم العرض على الكبير المتعال ، فإذا فشت الرشوة في أمة من الأمم واسْتَمْرَأ الناس تعاطيَها فاعلم أن الضمائر قد ماتت ، وأن نظام الأمة قد قُوِّض ,  فقد شدّد الشرع على آخذها ودافعها والساعي بينهما بأن جعلهم مطرودين عن رحمة الله ، متعرضين لسخطه وغضبه، فعن ثوبان – رضي الله عنه – قال:” لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الراشي والمرتشي والرائش” وما دخلت الرشوة عملًا إلا عاقته ، ولا مجتمعًا إلا أفسدته ، فكلٌ منهم ظالم المرتشي لأخذه الذي يحمله على الجور في حكمه ، أو التساهل في عمله، والغلظة على من لا يدفع شيئًا ، وتقطيب وجهه أمامه حتى يجعله يهاب من مراجعته ؛ والدافع لها عون كبير على الظلم ، وعلى تشجيع الظالمين ، ومفسد لقلوبهم على الآخرين، الذين تأبى أذواقهم السليمة ، ومظهرهم المستقيم، وعقيدتهم الحية عن دفع الرشوة ؛ والساعي بينهما راضٍ لفعلهما ومقرٌ لمنكَرهما ، والراضي كالفاعل . فالرشوة ُ أكل للأموال بالباطل، وتناول للسحت ، يقول – جلّ وعلا – : (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ)  [البقرة: 188]، ويقول سبحانه في شأن اليهود: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة 42] يُروى عن عمر –رضي الله عنه– أنه قال: (بابان من السحت يأكلهما الناس:الرشا ومهر الزانية) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 240) وعزاه في الدر المنثور (3/ 81) أيضًا لعبد بن حميد) , ولم يتوقف الأمر على مجرد النهي عنها وذمها ، بل تعدى ذلك ليصل إلى حد اللعن الصريح الذي يعني الطرد من رحمة الله تعالى ، وما هذا إلا لأن الرشوة قتل لكفاءات المجتمع ، ودعوة صريحة لهدم أساساته التي يقوم عليها ازدهاره وتقدمه ، وهي تقديم أهل الكفاءة والخبرة ، فإذا تقهقر هؤلاء وتصدر المشهدَ أربابُ الأموال الذين لا علم لهم ولا كفاءة ولا مقدرة على قيادة دفة الأمور، فإن المجتمع  يصير علي شفا جُرُفٍ هار ، معرض للانهيار في أية لحظة ، فهو وإن بدا قوياً في ظاهره ، إلا أنه خاو ٍ من أي مضمون ، ما هو إلا مجرد قشرة خارجية لا يتعدى سمكها قيمة الأموال الزائلة التي شكلهتا وحددت معالمها . إن ضعاف النفوس من محبي المال يعينون الفاسدين علي إفسادهم ، ويساهمون من حيث لا يشعرون في تقويض قدرات مجتمعهم وفشله ، فحبهم للمال يدفعهم ويسوقهم إلى ارتكاب خطيئة الرشوة ودفع المجتمع إلى الهاوية ، فإن لم يتحملوا المسئولية التي أنيطت بهم فإنهم يعرضون أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم إلي الهلاك غير المباشر والذي قد لا يظهر أثره في وقت سريع ، وإنما يسقط المجتمع على المدى الطويل عندما يتحول المجرم إلي بريء والبريء إلي مجرم بفعل الرشوة ، وعندما يتحول صاحب الكفاءة إلى كم مهمل ، وعندما يتحول الشخص التافه إلى قائد أو مسئول أو حتى موظف في غير مكانه .

ففي الحديث الشريف : عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – ( مَنِ استعملَ رجلاً من  عصابةٍ وفي تلكَ العصابةِ من هو أرضى للهِ منه فقد خانَ اللهَ وخانَ رسولَهُ وخانَ المؤمنين ). (المستدرك 4 / 92 وقال :هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

ومن أقبح وأخسِّ الأساليب الملتوية للحصول على الرشوة: تعطيلُ مصالح الناس والتسويف في إنجازها إلى أن يتم أخذ الرشوة، وفي ذلك خيانة للأمانة التي يقول الله تعالي فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {27} وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال:28،27).

وهكذا تضيع الأمانات بسبب الرشوة , وتؤكل بسببها أموال الناس بالباطل، وتتحول الأعمال الشريفة إلى أعمال لصوصية ، كرشوة المسئولين في مشاريع الدولة العمرانية من قبل بعض أصحاب الأعمال , وكرشوة بعض المشرفين على الأعمال من أجل التقصير بالعمل , وعدم تنفيذ الشروط المبرمة بالعقود , وعدم الوفاء بما عليها من التزامات .  فالمرتشي يخون الأمانة التي عُهِدَ بها إليه , ويمنع الحق عن صاحبه ,ويشجع على ضياع الذمم , وخراب الضمائر وإهدار الشرف والكرامة . والراشي كذلك يساعد المرتشي على أموال الناس بالباطل , وينمي فيه الخلق السيئ , وييسر له التحكم فيما هو حق لغيره , ويستحل ما ليس له , ومن أجل هذا كان الراشي والمرتشي ملعونين على لسان نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم- , فعن عبد الله بن عمرو , قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (لعنةُ اللهِ على الراشِي والمرتَشِي ) ( سنن ابن ماجة ) , أي : الآخذ والمعطي .

فالرشوة في الإسلام محرمة بأيةِ صورة كانت , وبأي اسم سميت , سواء أسميت هدية  أم مكافأة , فالأسماء لا تغير من الحقائق شيئًا , والعبرة للحقائق والمعاني لا للألفاظ والمباني  . ومن المقرر  في الشريعة الإسلامية أن هدايا العمال غلول – وهو الخيانة في المغنم , والسرقة من الغنيمة قبل القسمة . يقال : غل في المغنم يغل غلولا فهو غال , وكل من خان في شيئ خفية فقد غلَّ – والمراد بالعمال كل من تولى عملا للمسلمين , وهذا يشمل السلطان ونوّابه وموظفيه , أيًا كانت مسؤولياتهم , ومهما اختلفت مرتباتهم وتنوعت درجاتهم , فعن أبي حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صَدَقَاتِ بَنِي سُليم يُدْعَى ابن اللُّتبيّة فلمّا جاء حَاسَبَه , قال هذا مالُكُم وهذا هَدِيّة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلاّ جَلَستَ في بيتِ أَبيكَ وأمّكَ حتّى تأتِيك  هَدِيّتُك  إنْ كنتَ صَادِقًا , ثُم ّخَطَبنا فَحِمدَ الله وأَثنى عَليْه ثُمّ قال : أمّا بَعدُ فإنّي أَسْتعْمِلُ الرَّجُل مِنكُم علَى العملِ مما ولّاني الله فيأتي يقول : هذا مالُكم وهذا هدّية أُهْدِيتْ لي أفلا جَلس َفي بيت ِأبيه وأمِّه حتّى تَأتِيَهُ هَديّته ، والله لا يأخذُ أحدٌ منْكم شيئًا بغير حقّه إلا لقي الله يحملُهُ يوم القيامة , فلأعْرِفنَّ  أحدًا منكم لقي الله يَحملُ بَعيرًا له رُغاء ٌ, أو بقرة ًلها خوارٌ , أو شاةً تَيْعَرُ ، ثمّ رفع يدَهُ حتّى رُئِيَ بياض إبِطِه ِيقول ” اللهُم هلْ بلغتَ بصْر عيني وسمْع أُذني ( صحيح البخاري) .

ففي هذا الحديث وعيد شديد لمن يستغل نفوذه ويستبيح لنفسه أن يأخذ ما لا يحل له أخذه , وإن ألبسه أثوابا مستعارة كالهدية والوساطة وغير ذلك , فهذا خيانة في الأمانة , وسحت لا يبارك الله له فيه ولا في نفسه ولا في أولاده ولا في عائلته ولا إنفاقه في الأمانة ولا مأكله ولا مشربه , فكل جسم نبت من حرام فالنار  أولى به , كما في حديث كعب ابن عجرة الأنصاري – رضي الله عنه – قال : قال لي رسول الله – صلي الله عليه وسلم – (لا يدخلُ الجنةَ لحمٌ نبتَ من سحتٍ ، وكلُّ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنارُ أولى به …) ( المعجم الصغير ) . فيتعين على الحاكم ومن له ولاية تتعلق بأمور الناس أن لا يقبل الهدية ممن لم يكن معتادًا الإهداء إليه قبل ولايته ، فهي في هذا المقام تعتبر رشوة .

ومن ثم فإنه ينبغي على المسلم أن يحذر استغلال وظيفته ومكانه ، بأن يجعل ذلك سببًا لجذب المال ، والثراء من خلال أداء العمل ، فيحابي ويجامل لأجل أن ينال مطامع مادية في عمله ، فذلك المكسب مكسب خبيث ، وأخذ للمال بغير حق ، ولأجل هذا حرّم رسول الله – صلي الله عليه وسلم – الرشوة ، تحذيرًا للمسلمين من شرها ، وإبعادًا لهم من ضررها ، وحماية لدينهم ، وحماية لأموالهم ، وحماية للمجتمع عموماً . فكم من مظالم انتهكت ، وكم من دماء ضيعت ، وكم من حقوق طمست ، ما أضاعها وما طمسها إلا الراشون والمرتشون فحسبهم الله الذي لا تنام عينه ، وويل لهم مما عملت أيديهم وويل لهم مما يكسبون .

فأيّ خير يرجى في قوم مقياس الكفاءة فيهم ما يتزلف به المرءوس  لرؤسائه من قرابين ؟! وأيّ إنتاج يرتجى لأعمال لا تسير عندهم إلا بعد هدايا الراشين والمرتشين ؟! فالرشوة تهدر الحقوق ، وتعطل المصالح ، وبها يقدم السفيه الخامل،  ويبعد المجد العامل ، فكم ضَيعتْ من حق ،وأَهدرتْ من كرامة ، ورفعتْ من لئيم ، وأهانت من كريم . إن الرشوة قضية خطيرة ينبغي التصدي لها بقوة والأخذ على متعاطيها بيد من حديد .

نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه ، وأن يعصمنا جميعاً من المكاسب الخبيثة ، وأن يرزقنا الصدقَ في الأقوال والأعمال ، وأن يهدي موظفينا ومسئولينا إلى ما فيه الخير للبلاد والعباد .

 

المركز الإعلامي لوزارة الأوقاف

مقالات ذات صلة