خبر أزعجني

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        طالعت صباح الثلاثاء 30 / 12 / 2014م خبرًا أزعجني ، مفاده أن الشباب الليبي يبحث عن التوظيف في الميليشيات  المسلحة ، وقبله أخبرني شاهد عيان أن الصبية والشباب السوري يبحث عن العمل لدى الجماعات والمنظمات الإرهابية والتكفيرية مقابل أجور مجزية .

        ومثل هذه الأخبار لا ينبغي ولا يمكن أن تمر مرور ًا عابرًا أو عفو الخاطر دون أن نقف عندها بما تستحق من الدراسة والتحليل والمعالجة فكريًا وميدانيًا وعملياً على أرض الواقع قبل أن تستفحل الظاهرة وينفلت الزمام من أيدينا بما يمكن أن يحرق الأخضر واليابس ويزيد من دخول المنطقة في أتون صراعات دينية وقبلية وطائفية لا تنتهي ولاتبقي ولاتذر ، وهو عين ما يخطط له أعداؤها ، ومع أننا نحذرهم وسنظل بأن الإرهاب  لن يأكل من يدعمه أويموله فحسب ، إنما يأكل الساكتين عنه والصامتين عليه، والمتوجسين والمترددين  في مواجهته ، والممسكين بالعصا من المنتصف لا إلى هؤلاء  ولا إلى هؤلاء ، وحتى نكون بمنأى عن هذه المخاطر أو نعمل على تقليل آثارها على  أقل تقدير لا بد من الآتي :

     الإيمان المطلق من جميع المؤسسات الرسمية والتنفيذية والمدنية بما يسعى إليه السيد رئيس الجمهورية من ضرورة الإسراع في برامج العدالة الاجتماعية والتحسين الفعلي لأحوال الطبقات الأكثر فقرًا أو الأقل دخلا ، لأن المنظمات الإرهابية إنما تعمل على تجنيد المهمشين اجتماعيًا والمحطمين نفسيا تحت إغراء المال وربما النساء اللاتي يقومون  بسبيهن  ويبيعونهن سبايا في سوق النخاسة والعبيد التي لا أصل لها ولا سند ، بل هي مخالفة لكل الأديان والقيم والقوانين الدولية وسائر حقوق الإنسان ، وإن كان من اللافت للنظر المثير للعجب أن أحدًا لم يتحرك لمواجهة تلك الظواهر الصادمة للفطرة الإنسانية المنافية لأدنى حقوق الإنسان ، مما يؤكد أن هناك من يحمي تلك التنظيمات الإرهابية من الملاحقة بل حتى من نقد المنظمات الحقوقية الدولية .

     كما أن الأمر يتطلب صحوة كبرى على قلب رجل واحد من المؤسسات الدينية والسياسية والتعليمية والثقافية لإعادة بناء فكر الإنسان العربي من جديد ، والعمل كمرحلة أولى من خلال تكثيف المؤتمرات والندوات واللقاءات على محاصرة ظاهرة التشدد والتطرف والعنف ، وبيان أن الدين والعقل والمصلحة الشخصية والوطنية كل ذلك يتطلب إعمال العقل والبعد عن كل ظواهر الشذوذ والإنحراف سواء أكان فكريا أم سلوكيا .

      ومن ثم ينبغي أن نوظف طاقات وحماس الشباب في كل ما هو نافع ومفيد لأن هذه الطاقات مالم نشغلها بالحق شغلت بالباطل ، فأهل الباطل لايعملون إلا في غياب أهل الحق ، فيوم أن يؤدي المسجد رسالته ، وتؤدي الكنيسة رسالتها ، وتؤدي المدارس والمعاهد والجامعات وأندية الشباب وقصور الثقافة رسالتها لن يجد هذا الشباب من الفراغ ما يمكن أن يختطف من خلاله أوأن تتمكن تلك المنظمات الإرهابية من استقطابه ، لأن هذه التنظيمات تركز في استهداف العناصر الجديدة على المهمشين اجتماعيا والمحطمين نفسيا ، ومن لديهم فراغ وأزمات اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية ، وهو ما يتطلب منا جميعا جهدًا غير عادي في التواصل الدائم مع الشباب والعمل على حل مشكلاتهم ، وتمكينهم من المشاركة الفكرية والمجتمعية والحياة العامة بكل جوانبها، حتى لايؤتى إليهم من باب أنهم على هامش  الحياة وليسوا في عمقها

       ولا شك أن البعد الاقتصادي والخطوات الدءوب للقضاء على البطالة والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية  من أهم العوامل التي تسهم إسهاما عاجلا في محاصرة انحراف بعض الشباب  وانخراطهم في أتون الجماعات الإرهابية .

      وإذا كنت أؤكد دائما على أهمية الاصطفاف الوطني فإنني أؤكد بكل قوة على أهمية الاصطفاف العربي سواء في المعركة الفكرية بتكوين جبهة عربية فكرية صلبة في مواجهة الإرهاب بدأت ملامحها تتشكل من خلال تواصلنا مع زملائنا من معالي وزراء الأوقاف العرب ، أم في التواصل والتكامل بكل جوانبه ، فإننا  في حاجة إلى تعاون وتكامل عربي سياسي واقتصادي أكبر وأوسع ، لأن الخطر الداهم يهدد المنطقة بأسرها وليس دولة واحدة منها ، وإن كانت البداية بعض الدول التي سهل على أعدائنا تصيد بعض أخطائها أو اللعب بما فيها من مشكلات عرقية أو مذهبية ، فإن أعداء الأمة الطامعين في الاستيلاء على نفطها وخيراتها ومقوماتها لا يرضون إلا بهز استقرار جميع دول المنطقة وتمزيق كيانها ، غير أن تلك الأماني والأوهام لأعداء الأمة يمكن أن تذهب سدى وأن تتحطم على وحدة الصف العربي التي بدأت ملامحها تتبلور وتتحقق على أيدي قادة سياسيين على قدر المسئولية في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت والبحرين ودول عربية أخرى تبحث عن الأمن والسلام وتدرك حجم المخاطر التي تهدد أمتنا ومنطقتنا التي لو توحدت على قلب رجل واحد لن تهزها أي قوة مهما كان جبروتها ، غير أننا نؤكد دائما  على ضرورة أن تكون الأجهزة التنفيذية ومنظمات المجتمع المدني على قدر المسئولية ووعي وتطلعات القيادات السياسية الواعية  التي تدرك حجم المخاطر وتعمل بما أوتيت من قوة على درئها والتصدي لها .

مقالات ذات صلة