حـظ النفـس مـن الـدنيــا

 

Dr.Mokhtar-Gomaa

 

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

        نؤمن أن الكمال لله وحده , وأن العصمة فقط لأنبيائه ورسله , ثم إن لكل نفس حظها ونصيبها من الدنيا قل ذلك أو كثر ، غير أن حظ النفوس قد يكون غبطة ، وقد يكون حسدا ، وقد يكون غلا وحقدًا وانتقامًا , وقد يكون مجرد أمل , وقد يكون أملا يحمله العمل .

         فالغبطة هي أن تتمنى دوام الخير للغير وأن يصيبك منه ما أصابه , من غير أن تتمنى زوال النعمة عنه , أما الحسد ففيه استكثار النعمة على الغير واعتباره غير أهل لها وتمني زوالها عنه , أما الغل والحقد والانتقام فهو العمل على زوال النعمة عن الغير , وإذا كانت الغبطة هي جزءا من حظ النفس الذي يمكن أن يكون مقبولا , فإن الأمرين الأخيرين يتنافيان غاية التنافي مع الدين والقيم وطبائع النفس السوية .

         والغبطة إما أن تكون أملا فارغًا , وتطلعًا نفسيًا لا يخدمه عمل ولا مقومات , وهو ما حذر منه النبي (صلى الله عليه وسلم) : ” انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” (صحيح مسلم) , وإما أن تكون الغبطة غبطة صحية تدفع إلى السعي والعمل والتنافس في الخيرات , وهي غبطة مقبولة تتناسب وطبائع النفوس السوية .

        وهناك عوامل تدفع إلى ضبط وعلاج حظ النفس من الدنيا , وأخرى تدفع إلى التوتر والقلق وربما الهدم والهلاك .

        والناس نوعان : الأول سبيله الوحيد هو البناء لا الهدم , فهو معنيٌّ ببناء نفسه ، أو بناء دولته , أو بناء ما يقع في نطاق مسئوليته , لأنه يؤمن أن البناء هو السبيل إلى مرضاة الله , من منطلق أن رسالة الإسلام بل صحيح الأديان رسالة بناء وعمارة للكون لا هدم فيها ولا تخريب , فإن وجد فتنة وهدمًا , قاوم وصمد احتسابا لله وحده , أو اعتزلها ونأى بنفسه عنها وأنكر بلسانه أو بقلبه , وهذا أضعف الإيمان ، أما الصنف الآخر فيسلك منهج التشويه والهدم للآخرين , وكما قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني في وساطته : وأهل النقص رجلان : رجل أتاه التقصير من قبله , وقعد به عن الكمال اختياره , فهو يساهم الفضلاء بطبعه , ويحنو على الفضل بقدر سهمه , وآخر رأى النقص ممتزجًا بخلقته , ومؤثّلا في تركيب فطرته, فاستشعر اليأس من زواله ، وقصرت به الهمة عن انتقاله ، فلجأ إلى حسد الأفاضل ، واستغاث بانتقاص الأماثل ، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته , وستر ما كشفه العجز عن عورته ، اجتذابُهم إلى مشاركته , ووسمُهم بمثل سِمَتِه , وقد قيل :

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ

طُوِيَت أتاحَ لها لِسانَ حسودِ

        أما  العوامل التي تدفع إلى ضبط النفس وعلاج حظها من الدنيا , فأولها الإيمان الصادق بالله وبقضائه وقدره , وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه , مؤمنًا بأن الأمور بيد الله وحده , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” وَاعْلَمْ أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ” (الترمذي) .

       ثم يتبع ذلك الرضا بما قسم الله , والثقة فيه , ثم ثقة الإنسان في نفسه , وإحساسه بقدرته على الإنجاز , وسعة أفقه في الحياة , ودخوله من أبوابها المتسعة , وأن يترك ما لا يستطيع إلى ما يستطيع لعله يجد فيما يستطيع ما يحقق أمله , مع إيمان مطلق بقسمة الله في خلقه , وأنها قسمة عدل تستحق الرضا , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ” (الترمذي) .

مقالات ذات صلة