تلبيس إبليس وغياب العقل

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

عندما ندرس الظواهر الغريبة على مجتمعنا المصري لابد أن نتعمق في الدراسة والرؤية، وأن نقف على حقيقة المخاطر التي تهدد الوطن دون مواربة أو حسابات سياسية، فالوطن فوق الجميع، وإما أن يكون وطن ودولة أو تكون فوضى تأكل الأخضر واليابس، ويكتوي بنارها الصغير والكبير، غير أن العقلاء والحكماء والشرفاء والوطنيين لا يمكن أن يسمحوا بالوصول إلى هذه الفوضى التي يخطط لها أعداء الوطن تحت مسمى فوضى خلاقة أو غير خلاقة، فالفوضى هي الفوضى على كل حال وإن لبّس الملبِّسون من أعوان إبليس وجنوده في الأرض.

وقد أعلنا بوضوح عن الرأي الشرعي في العمليات الإجرامية سواء أكانت انتحارية أم غير انتحارية، مؤكدين أن من يفجر نفسه سواء أصاب غيره أم لم يصب منتحر يعجل بنفسه إلى الجحيم والهلاك في الدنيا والآخرة، فإن فجّر عن بُعد في غيره فهو قاتل ومفسد ومعتد، أما المحرضون فهم شركاء في الجرم لا محالة، وفي الأثر: “من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقى الله (عز وجل) مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله” ، وأما الصامتون والشامتون فهم شركاء بصمْتهم، حيث يوفرون غطاء معنويا ومناخا مجتمعيا يهيىء لمثل هذه الأعمال الإجرامية.

وهذه الرؤى الشرعية قد أكدها العلماء المخلصون ليس في مصر وحدها، بل في كثير من دول العالم الإسلامي، حيث أصدر المفتي العام للملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فتواه بأن من يفجر نفسه بالأحزمة الناسفة مجرم عجل بنفسه لنار جهنم، وأن هذه العمليات الانتحارية إنما هي من وسائل أعداء الإسلام للفتك بشباب الإسلام والإلقاء بهم إلى التهلكة، مؤكدا أن هؤلاء الإرهابيين قد ضلوا عن سواء السبيل، وأعطوا من المواد ما سلب عقولهم، وهو ما أكده علماء الأزهر الشريف، مع تنفيذهم للشبه التي يلبس بها إبليس على هؤلاء المجرمين، فالإسلام لم ينه عن الانتحار فحسب إنما نهى عن مجرد تمني الموت حتى في أحرج اللحظات والمواقف، فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم): “لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي” (صحيح البخاري).

على أن هذه الأعمال الإجرامية ترجع إلى أمور أهمها: غياب العقل وتلبيس شياطين الإنس قبل الجن.

أما غياب العقل أو تغييبه، فيقولون: الأحمق عدو نفسه، وعدو عاقل خير من صديق أحمق، لأن الأحمق يريد أن ينفعك فيضرك، ولا يكتفي أعداء الدين والوطن بمجرد اصطياد الحمقى والمغفلين، بل يعملون بكل ما أوتوا من قوة على تغييب عقولهم، إما بحشوها بالمغالطات أو بإفسادها وإنهاكها والقضاء عليها بالمخدرات، ولذا عد الإسلام الخمر أم الخبائث، لأن العقل إذا غاب أو غُيب ارتكب صاحبه من الحماقات والجرائم ما لا يتصور ولا يحتمل، ومن هنا نطالب بتشديد العقوبات إلى أقصى درجة على كل من يعبث بعقول شبابنا، مؤكدين أن الإسلام حرم الخمر ولعن شاربها وبائعها وحاملها والمحمولة إليه، فكل هؤلاء في الجرم سواء، على أن التوعية بمخاطر هذه المخدرات تقع على عاتق الجميع وبخاصة العلماء والأئمة والوعاظ والإعلاميين والمفكرين والكتاب والأطباء وعلماء النفس والاجتماع كل في مجاله وميدانه.

وأما تلبيس إبليس فله وسائل متعددة ومسالك ومسارب شتى، سواء أكان من شياطين الجن أم من شياطين الإنس، حيث يقول الحق سبحانه: ” شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ” (سورة الأنعام:112)، ويقول سبحانه: “أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (سورة المجادلة:19)، ويقول سبحانه: “إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ” (سورة الأعراف:30)، ويقول الإمام الأوزارعي (رحمه الله تعالى): ما أمر الله (عز وجل) في الإسلام بأمر إلا حاول الشيطان أن يأتيك من إحدى جهتين لا يبالي أيهما أصاب الإفراط أو التفريط، الغلو أو التقصير، فيصور له التهور والحمق والطيش والبغي والعدوان على أنه شجاعة، وإذا غذّى ذلك المأجورون ممن يلبسون ثوب الدين والدين منهم براء بالفتاوى المضللة تحول هذا  الطيش إلى لون من الجنون وغياب العقل وارتكاب الحماقات الإجرامية في حق وطنهم وبني جلدتهم، فيوهمون الشباب زورا وبهتانا وافتراء على الله ورسوله أن ما يقومون به هو لون من ألوان الشهادة في مقاومة أهل البغي والفساد، على أن الأمر عكس ذلك، فهؤلاء فاسدون مفسدون يعيثون في الأرض فسادًا، يهلكون الحرث والنسل، “والله لا يحب الفساد” ، وقد نظر نبينا (صلى الله عليه وسلم) إلى الكعبة فقال لها: “ما أعظمك وما أشرفك وما أعظم حرمتك عند الله (عز وجل)، ولكن دم المؤمن أعظم عند الله (عز وجل) منك” ويقول الحق سبحانه: ” أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا “(سورة المائدة:32)، على أن الإسلام لم ينه عن القتل أو الاعتداء على الآمنين فحسب، إنما نهى عن مجرد تروعيهم أو التعرض لهم، أو إشاعة الخوف فيهم، فشرّع قتال البغاة والمجرمين الذين يعتدون على الدماء أو الأعراض أو الأموال، وفي حد الحرابة يقرر العلماء أن المجرمين إذا قطعوا الطرق وقتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا عذِّروا “بقدر جريمتهم” ونُفوا من الأرض أي أُخرجوا منها، يقول الحق سبحانه: ” إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (سورة المائدة:33).

والخلاصة: أن ما يحدث من عمليات إجرامية انتحارية أو تفجيرية لا علاقة له بالدين ولا بالعقل، فهذه الأفعال لا يمكن أن يقرها أي دين أو عقل أو قانون أو آدمية أو إنسانية، فهؤلاء أناس لا نقول: انسلخوا من دينهم وسُلبت عقولهم فحسب، إنما انسلخوا إلى جانب ذلك كله من كل الأديان والقيم والأعراف ومن آدميتهم وإنسانيتهم، لأن ما يحدث لا علاقة له بالآدمية أو الإنسانية، ولا حتى الحيوانات التي لا عقل لها يمكن أن تقدم على مثل هذا الإجرام.

ومن هنا كان علينا جميعا أن نقف صفا واحدا في مواجهة هذا الإرهاب، لأن هذه التفجيرات الإجرامية إذا استشرت ولم تواجه بيقظة وحزم أكلت الأخضر واليابس، وارتدت على أصحابها، والمحرضين لهم، والصامتين عن جرائمهم، والمترددين والمتوجسين والخائفين والمهزومين أمام أنفسهم.

عزاؤنا للشهداء، ودعاؤنا للمصابين بالشفاء ولأسر الجميع بالصبر، ولشبابنا بالرشد والهداية، وللغمة بالانكشاف، وللإرهاب بالاندحار، وعلى القتلة بالقصاص والعقاب الرادع.

 

مقالات ذات صلة