المـلـــــف الصـعــــب

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      لا شك أن ملف الخطاب الديني واحد من أهم الملفات الصعبة الشائكة ، وأن الإقدام على التجديد في القضايا الفقهية والشرعية ، والنظر في المستجدات العصرية ، وفي بعض القضايا القابلة للاجتهاد ، يحتاج إلى رؤية ودراية وفهم عميق وشجاعة وجرأة محسوبة ، وحسن تقدير للأمور في آن واحد .

     كما أنه يحتاج من صاحبه إلى إخلاص النيّة لله , بما يعينه على حسن الفهم وعلى تحمل النقد والسهام اللاذعة ، ممن أغلقوا باب الاجتهاد ، وأقسموا جهد أيمانهم أن الأمة لم ولن تلد مجتهدًا بعد ، وأنها عقمت عقمًا لا براء منه ، متناسين أو متجاهلين أن الله (عز وجل) لم يخص بالعلم ولا بالفقه قومًا دون قوم ، أو زمانًا دون زمان ، وأن الخير في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة .

         على أننا نؤمن بأن تسارع وتيرة الحياة العصرية في شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية ، إضافة إلى التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيّرات السياسية ، كل ذلك يحتم على العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه  المتغيّرات ، ويعلم الجميع أن الإقدام على هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرًا ، ويحتاج إلى جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات ، غير أننا في النهاية لابد أن ننطلق إلى الأمام ، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود .

        كما نؤمن أيضًا أن بعض الفتاوى ناسبت عصرها وزمانها ، أو مكانها ، أو أحوال المستفتين، وأن ما كان راجحًا في عصر وفق ما اقتضته المصلحة في ذلك العصر , قد يكون مرجوحًا في عصر آخر إذا تغير وجه المصلحة فيه ، وأن المفتى به في عصر معين ، وفي بيئة معينة ، وفي ظل ظروف معينة ، قد يصبح غيره أولى منه في الإفتاء به إذا تغيّر العصر ، أو تغيّرت البيئة ، أو تغيّرت الظروف ، ما دام ذلك كله في ضوء الدليل الشرعي المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة .

      وعندما نمعن النظر في قراءة توصيات المؤتمر الدولي العام الرابع والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية , نجد أن العلماء المشاركين في المؤتمر الذين شاركوا ببحوثهم أو مداخلاتهم أو توصياتهم التي خرجت بإجماع الحاضرين , قد حاولوا أن يحددوا مفاهيم بعض المصطلحات ، وأن يعيدوا قراءتها قراءة واعية في ضوء ظروف العصر ومستجداته ومتطلباته ، منها :

1-  الإرهاب ، وهو الجريمة المنظمة التي يتواطأ فيها مجموعة من الخارجين على نظام الدولة والمجتمع ، وينتج عنها سفك دماء بريئة أو تدمير منشآت أو اعتداء على ممتلكات عامة أو خاصة.

2-  الخلافة : وصف لحالة حكم سياسي متغير يمكن أن يقوم مقامها أي نظام , أو مسمى يحقق مصالح البلاد والعباد , وفق الأطر القانونية والاتفاقات الدولية .

      وما ورد فيها من نصوص يحمل على ضرورة أن يكون هناك نظام له رئيس ومؤسسات, حتى لا يعيش الناس في فوضى ، فكل حكم يحقق مصالح البلاد والعباد ويقيم العدل فهو حكم رشيد ، وعليه .. فلا حق لفرد أو جماعة في تنصيب خليفة , أو دعوى إقامة دولة خلافة خارج أطر الديمقراطيات الحديثة .

3-  الجزية : اسم لالتزام مالي انتهى موجبه في زماننا هذا وانتفت علته بانتفاء ما شرعت لأجله في زمانها ، لكون المواطنين قد أصبحوا جميعاً سواء في الحقوق والواجبات ، وحلت ضوابط ونظم مالية أخرى محلها، مما أدى إلى زوال العلة .

وما ورد في القرآن الكريم من حديث عنها .. يحمل على الأعداء المحاربين والمعتدين الرافضين للمواطنة ، وليس على المواطنين المسالمين المشاركين في بناء الوطن والدفاع عنه .

4- دار الحرب : مصطلح فقهي متغير ، وقد أصبح في وقتنا الحاضر لا وجود له بمفهومه المصطلحي القديم , في ظل الاتفاقات الدولية والمواثيق الأممية ، ولا يُخِلُّ تغيره بالتأكيد على حق الدول في استرداد أرضها المغتصبة ، وأخصها حقوق الشعب الفلسطيني ، والشرع يوجب الوفاء بالعقود ، وعليه فلا هجرة من الأوطان بدعوى الانتقال لدار الإسلام.

5-  المواطنة : تعني أن يكون المواطنون جميعاً سواء في الحقوق والواجبات , داخل حدود دولهم .

6- الجهاد : رد العدوان عن الدولة بما يماثله دون تجاوز أو شطط ، ولا مجال للاعتداء , ولا حق للأفراد في إعلانه ، إنما هو حق لرئيس الدولة , والجهات المختصة بذلك , وفق القانون والدستور.

7-  على المؤسسات العلمية الدينية وضع ضوابط التكفير ؛ لتكون بين يدي القضاء ، وبما يشكل وعيًا ثقافيا ومجتمعيا , يميز بين ما يمكن أن يصل بالإنسان إلى الكفر , وما لا يصل به إليه .

         أما الحكم على الأفراد أو المنظمات أو الجماعات , فلا يكون حقا للأفراد أو المنظمات أو الجماعات ، وإنما يكون بموجب حكم قضائي مستند على أدلته الشرعية, والضوابط التي تضعها المؤسسات الدينية المعتبرة ، حتى لا نقع في فوضى التكفير , والتكفير المضاد .

       مع التأكيد أن استحلال قتل البشر , أو ذبحهم , أو حرقهم , أو التنكيل بهم من قبل الأفراد أو الجماعات , أو التنظيمات , يُعَدَُّ خروجا عن الإسلام .

8- الحاكمية : تعني الالتزام بما نزل من شرع الله , وهذا لا يمنع احتكام البشر إلى قوانين يضعونها في إطار مبادئ التشريع العامة وقواعده الكلية ، وفقاً لتغير الزمان والمكان , ولا يكون الاحتكام لتلك التشريعات الوضعية مخالفا لشرع الله , ما دام أنه يحقق المصالح العامة للدول والشعوب والأفراد والمجتمعات .

         ولن يقف جهد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عند حدود إصدار هذه التوصيات ، لكنه شكل لجنة دولية لمتابعتها , تنعقد كل أربعة أشهر في دولة من الدول العربية أو الإسلامية، وسيكون اجتماعها القادم في شوال 1436هـ بدولة الأردن الشقيقة ، ثم بدولة البحرين الشقيقة .

          كما أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة سيعقد عددًا من الصالونات , لشرح التوصيات وتوضيح أبعادها وجوانبها ،كما سيقوم بإصدار كتيب شارح لهذه التوصيات .. يؤصل لها تأصيلا علميا وشرعيا وفقهيا ، وقد كلف اثنين من العلماء المتخصصين بذلك ، وإننا لعلى أمل أن يصدر هذا الكتيب في موعد أقصاه شهران من تاريخه (بإذن الله تعالى) .

          وإننا نؤمّل ألا يسلك العقلاء مسلك العامة في النقد العاطفي ، أو النقد الانفعالي ، أو تجاوز الموضوعية , بالتسرع في الأحكام قبل القراءة الوافية المتأنية , لما يراد الحكم أو التعليق عليه ، وأن نقدم المصلحة الشرعية والوطنية على أي اعتبارات أخرى ، وساعتئذ فلا حرج في النقد الموضوعي ، ولو ردّنا الحق عبيدًا لرددنا إليه صاغرين .

مقالات ذات صلة