آخر الأخبار

القرار الصعب والرجل الشجاع

Dr.Mokhtar-Gomaa

أ.د/ محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

     لقد فكرت كثيرًا قبل كتابة هذا المقال وأخذ من وقتي عدة أيام قبل الشروع فيه بما لم يأخذه أي مقال آخر ، لأنه في دائرة صعبة ، وأنا أدرك ابتداء أن إرضاء جميع الناس غاية لا تدرك ، ذلك أن هذا المقال يتعلق بشيخي وبيتي ، أما شيخي فهو فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر ، وأما بيتي الذى أعتز بالانتساب إليه فهو الأزهر الشريف بكل مؤسساته .

     ولا يستطيع أحدٌ أن يجادل أو يناقش في صلابة المواقف الوطنية لفضيلة الإمام الأكبر وشجاعته النادرة في اللحظات الحاسمة ، وأهمها انحيازه إلى الإرادة الوطنية والشعبية  الكاسحة وخيارات الشعب المصري في 30 يونيو 2013 م ، حيث بادر فضيلته بلا تردد أو خوف أو توجس إلى مباركة اختيار الشعب المصري لخارطة الطريق نحو مستقبل ديمقراطي حقيقي للشعب المصري في مواجهة الصلف والتعنت والإقصاء الإخواني الذي لفظه الشعب المصري وهبّ هبّة رجل واحد للثورة عليه .

     وألمس في فضيلته شجاعة غير عادية في نظراته ورؤاه وتوجهاته الإصلاحية في كل ما يتصل بالأزهر وشئونه ومؤسساته ومناهجه ، وإنني لأشْرُف بانتمائي إلي مدرسته العقلية ومنهجه الرشيد في التفكير .

     أما حديثي عن الأزهر ما له وما عليه فهذا بيت القصيد ، فليس من الممكن أو المعقول أن نقول ليس في الإمكان أبدع مما كان ، أو أن نحاول فرض بعض الفتاوى والآراء التي ناسبت زمانها ومكانها وأحوالها – فيما يقبل الخلاف ولا يمس ثوابت الشرع- على جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال .

     وعند الحديث عن التجديد ورجاله لابد أن أؤكد على أمرين :

     الأول : أن العظائم كفؤها العظماء ، وقد قال أحد الناس لابن عباس (رضي الله عنهما) : إن لي عندك حاجة صغيرة ، فقال له : إذن فاطلب لها رجلاً صغيرًا ، ويقول المتنبي :

على قدر أهل العزم تأتي العزائــــم                    وتأتي علـى قدر الكرام المكـــارم

وتعظـم في عيـن الصغيـر صغارهـــا                    وتصغـر في عين العظيم العظائـم

    الأمر الآخر : هو أن حبنا للأزهر وحرصنا عليه هو ما يدفعنا إلي النقد الذاتي الموضوعي ، وإلى محاولات التجديد والإصلاح المستمرة ، وقد ذكرتُ سابقًا أننا عندما عرضنا على فضيلة الإمام الأكبر مسمى لجنة النظر في المناهج الأزهرية تحت عنوان : ” لجنة تطوير التعليم بالأزهر الشريف ” ، أصر فضيلته على تسميتها ” لجنة إصلاح التعليم ” ، وقال فضيلته سمّوا الأشياء بمسمياتها ، نريده إصلاحا فعليًا وحقيقيًا وواقعيًا .

     ويقول هاشم الرفاعي في وصف رجال الأزهر وضرورة النقد الذاتي من داخل أروقته :

كـلا ولا اتَخِـذوا الشريعــة متجـــــرا

ما قامــروا بالدين في سبـل الهـــوى

 لا يسمحــون بأن يباع ويشتــــــرى

عاشــــوا أئمـــــة دينهــــم وحمـــاتـــه

     ثم يقول :

مـن أن أقـول الحـق فيه وأجهـرا

   ليـــس التعصـــب للأبــــوة مانعــــــى

     ونحن لا نستطيع أن ننكر أننا في حاجة إلى المراجعة والتنقيح والتطوير والإصلاح كما قال فضيلة الإمام ، سواء في المناهج ، أم في إعادة النظر في اللوائح والقوانين ، أم في المدخلات والمخرجات التعليمية ، أم في أحوال وأوضاع جامعة الأزهر وطلابها , وأكتفي في هذا المقال بالحديث عن أمرين اثنين : هما المناهج والجامعة .

      أما المناهج فبعضها على الأقل يحتاج إلى جراحة سريعة في بعض الموضوعات والجزئيات , على أن فضيلة الإمام الأكبر صار يرأس جلسات إصلاح التعليم بنفسه , وقد أجمعنا في الأسبوع الماضي في لجنة إصلاح التعليم على ضرورة حذف بعض الموضوعات والجزئيات التي كتبت في ظروف معينة وناسبت عصرها وزمانها وبيئتها , ولم يعد طرحها هو الأولى أو الأنسب في ظل الظروف والتحديات التي نعيشها , ويسابق فضيلة الإمام الزمن ونسابقه معه في محاولة لإنجاز هذا العمل أو بعضه على الأقل قبل بداية العام الدراسي الحالي  2014 / 2015م ، فما لا يدرك كله لا يترك كله .

       وأما أمر الجامعة فقد شهدت مع فضيلة الإمام الأكبر واحدًا من أهم الاجتماعات في تاريخ جامعة الأزهر بحضور القائم بأعمال رئيس الجامعة , أ.د/ محمد عبد الشافي وثلاثة من السادة النواب , وربما لم يشهد أي لقاء من قبل ما شهده هذا اللقاء من المصارحة ومواجهة الواقع , والاتفاق على ضرورة مواجهة المتشددين والمنتمين تنظيميًا إلى جماعة الإخوان , ومن انضموا إلى ما يسمى زورًا وبهتانًا بعلماء ضد الانقلاب ، وهم جميعًا معروفون بأسمائهم ومواقعهم ، إذ ينبغي التعامل معهم بكل شجاعة وحسم ، وأرى ضرورة إقصائهم قبل بداية العام الدراسي الحالي عن المواقع القيادية المؤثرة بالجامعة ماداموا يدينون لتلك الجماعة الإرهابية بالولاء .

      وإننا لنؤمل أن يكون زملاؤنا في قيادة الجامعة على قدر شجاعة الإمام الأكبر في اتخاذ القرارات المناسبة , حيث يحرص فضيلته على التوجيه , ويترك اتخاذ القرار لكل مسئول في موقعه , ليحمل كل إنسان مسئوليته أمام الله وأمام الوطن وأمام التاريخ وأمام ضميره وحسه الوطني .

مقالات ذات صلة