الصديق الذي نبحث عنه

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

    الصديق الذي نبحث عنه هو من قال عنه مصطفى صادق الرافعي ( رحمه الله ) : هو من إذا غاب لم تقل إن أحدًا غاب عنك ولكن تشعر أن جزءًا منك  ليس فيك ، فهو قطعة منك ، ليس ذلك الصديق الذي يماسحك كما يماسحك الثعبان ، ويراوغك كما يراوغك الثعلب أو يقبع منك كما يقبع القنفذ ، فهؤلاء الأصدقاء لا تجدهم إلا على أطراف مصائبك ، فهم كالذباب لا يقع إلا حيث يكون العسل .

    إن الصديق الحق الذي نبحث عنه ، هو من قال عنه الإمام الشافعي ( رحمه الله ) :

                                                         إن الصديق الحق من كان معك .

                                                       ومن يضـــــــــر نفســـــه لينفعـــــــــك .

                                                       ومن إذا ريب الزمـــان صدعـــــك .

                                                       شتت نفســـــــه فيـــك ليجـــــمعك .

 لا هذا الذي قال عنه الشاعر القاضي العماني أبو سرور :

مالي أراك وأنت كنت صديقي

باعدتني زمنا بكل عقـــــوق

قد كنت من أعددته لنوائبــي

لو عضني ناب الزمان بضيـق

أوحى إليك بأن دهري عقني

فطفقت أنت تعين بالتصفيق

ومتى تبينت الحقيقة أننـــــــي

جللا حللت بمنصب مرموق

قد جئتني تسعى تهنئ بالمنى

عجبًا لأمرك في رضًا وعقــوق

إن المحبة في الفـؤاد مكانهــا

تبدو حقــائقــها مع التضييـــــق

     وقد قيل لأحدهم : من أصدقاؤك ؟ فقال : لا أعلم ، قيل له : لماذا ؟ قال : لأن الدنيا مقبلةٌ عليّ ، فإن أدبرت عرفت عدوي  من صديقي ، لأن أكثر الناس يدورون مع الزمان حيث دار ، فإن  كان معك كانوا معك ، وإن كان عليك كانوا عليك ، ولذا قالوا : الصديق وقت الضيق، وقال الشاعر :

جـــزى الله المصـــــــائب كل خير

عرفت بها عدوي من صديقي

 وقال آخر :

 رأيت الناس قد ذهبو ا

إلى من عنده ذهب

ومن لا عنده ذهب

فعنه الناس قد ذهبوا

رأيت الناس منفضه

إلى من عنده فضه

ومن لا عنده فضـــه

فعنه الناس منفضه

رأيت الناس قد مالوا

إلى من عنده مال ُ

ومن لا عنده مــــــال

فعنه الناس قد مالوا

وقال الآخر:

  يُحّيا بالسلام غني قوم

ويبخل بالسلام على الفقير

أليس الموت بينهما سواء

إذا ماتوا وصاروا في القبور

    إن الصديق مشتق من الصدق ، فهو من يصدقك في السر والعلن ، في البأساء والضراء ، في المنشط والمكره ، من يحب لك ما يحبه لنفسه ، ويكره لك ما يكره لنفسه ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ): ”  لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ” ( رواه البخاري ) ، ويقول : ( صلى الله عليه وسلم ) ” ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ  وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ  أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ” ( رواه البخاري ) ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم) : ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : إِمامٌ عادِلٌ ، وشابٌّ نَشَأَ في عِبادة الله تعالى، ورَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّقٌ بالمساجد، ورَجُلانِ تَحَابَّا في الله: اجْتَمَعَا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورجلٌ دَعَتْه اْمرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فقال: ” إِني أَخاف الله “، ورجلٌ تصدَّق بصَدَقَةٍ ، فأَخْفَاهَا حتِّى لا تَعْلَمَ شِمَالُه ما تُنْفِقُ يَمِينُه، ورجلٌ ذكر الله خالياً، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ “( متفق عليه ) .

     وروي ” أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى ، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا ، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ (رواه مسلم) ، وفي الحديث القدسي : “وَجَبَتْ مَحَبتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فيَّ ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ ” (مسند أحمد)، ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم) “الْمُتَحَابُّونَ فِيَّ اللَّهِ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَغْبِطُهُمُ الشُّهَدَاءُ ”  (المستدرك على الصحيحين) ، فما أجمل أن تكون العلاقات والصداقات خالصة لوجه الله عز وجل ، قائمة على الحب والمودة والإنسانية والإيثار ، مبنية على المروءة والقيم والأخلاق السوية ، بعيدًا عن كل ألوان الأنانية والنفعية والانتهازية المقيتة .

مقالات ذات صلة