الخطاب الديني وثلاث معضلات كبرى

Mokhtar

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لا شك أن الخطاب الديني قد صار حديث الساعة ، حديث المثقفين ، حديث العامة والخاصة ، ولا شك أن ذلك كله يأتي نتيجة لما أصاب هذا الخطاب في السنوات الأخيرة من سطو وتسلّق عليه ، أو محاولات لاختطافه ، أو المتاجرة به ، وما تبع ذلك من استخدام الدين من قبل أدعيائه المتاجرين به غطاء لعمالتهم وأعمالهم المشبوهة ضد أوطانهم في أعمال عنف أو تخريب ، بل تجاوز الأمر ذلك إلى أعمال قتالية تهدف بأسلوب مباشر وصريح وفج إلى إسقاط دولهم وأوطانهم ، وتفتيتها وتمزيقها ، وتحويلها إلى بؤر وجماعات متصارعة تصارعًا لا يرجى الخلاص منه في القريب العاجل إلا برحمة من الله (عزّ وجل) ، ويقظة منّا جميعًا ، أفرادًا ودولاً ، وإدراكًا لحجم المخططات والمؤامرات التي تستهدف أمتنا ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص .

       ولا ينكر أحد أن حجم الإجرام والتخريب الذي يقوم به بعض المنتسبين إلى الجماعات والتيارات التي تتخذ من الدين ستارًا وشعارًا قد فاق كل التصورات ، وتجاوز كل معاني الإنسانية إلى درجة يوصف معها من يقوم بهذا الإفساد والتخريب بالخيانة للدين والوطن معًا ، مما جعل بعض الكتّاب يتجاوز باتهامه المخربين والمفسدين إلى الخطاب الديني نفسه ، ما بين عاقل يفرق بين الغث والثمين ، وآخر يعمم الأحكام بلا إنصاف ولا رويّة، لأن الفتنة أحيانًا تجعل الحليم حيران .

      وأرى أن الخطاب الديني تكتنفه ثلاث معضلات كبرى ، الأولى : هي معضلة الجمود ، من هؤلاء المنغلقين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أن باب الاجتهاد قد أغلق ، و أن الأمة لم ولن تلد مجتهدًا بعد ، وأنها عقمت عقمًا لا براء منه ، متناسيين أو متجاهلين أن الله ( عز وجل ) لم يخص بالعلم ولا بالفقه قومًا دون قوم ، أو زمانًا دون زمان ، وأن الخير في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة .

       المعضلة الثانية : معضلة الخوف من الإسلام ، أو ما يعرف بـ ” الإسلام فوبيا ” ، مما يجعل بعض هؤلاء المتخوفين يظن خطأ أن علاج التشدد إنما يكون بالذهاب إلى النقيض الآخر ، مما يعود بنا إلى عقود من الصراع حدث فيها خلط كبير بين مواجهة التطرف وأهمية التدين ، حيث توهم بعض المتخوفين من الإسلام أن محاربة التطرف تقتضي وتستلزم تجفيف منابع التدين ، فاصطدموا بالفطرة الإنسانية ، ” فطرة الله التي فطر الناس عليها ” ، ونسوا أن أفضل طريق لمواجهة التطرف هي نشر سماحة الأديان ، وتحصين الناس وبخاصة الناشئة والشباب بصحيح الدين ، وأنك لا تستطيع أن تقضي على التطرف من جذوره إلا إذا عملت بنفس القدر والنسبة على مواجهة التسيب والانحلال والإلحاد الذي صار موجهًا لخلخلة مجتمعاتنا شأن التشدد سواء بسواء ، ومن هنا كان وعي الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ووزارة الشباب والرياضة بخطورة الإلحاد والتسيب ، فأطلقت وزارتا الأوقاف والشباب مبادرة مشتركة لمواجهة الإلحاد تحت عنوان ” بالعقل كده ” ، إيمانًا منهما بخطورة الإلحاد على أمن الوطن واستقراره ونسيجه الاجتماعي .

       وفي هذا نؤكد أن المساس بثوابت العقيدة والتجرؤ عليها وإنكار ما استقر منها في وجدان الأمة لا يخدم سوى قوى التطرف والإرهاب وخاصة في ظل الظروف التي نمر بها ، لأن الجماعات المتطرفة تستغل مثل هذه السقطات لترويج شائعات التفريط في الثوابت مما ينبغي التنبه له والحذر منه ، فإذا أردنا أن نقضي على التشدد من جذوره فلابد أن نقضي على التسيب من جذوره ، فلكل فعل رد فعل مساو له في النسبة ومضاد له في الاتجاه.

       المعضلة الثالثة : هي الخوف من التجديد أو التجاوز فيه ، فلا شك أن التجديد يحتاج إلى شجاعة وجرأة محسوبة ، وحسن تقدير للأمور في آن واحد ، كما أنه يحتاج من صاحبه إلى إخلاص النيّة لله بما يعينه على حسن الفهم وعلى تحمل النقد والسهام اللاذعة .

       ولكي نقطع الطريق على أي مزايدات فإنني أؤكد على الثوابت والأمور التالية :

1-    أن ما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة ، وما أجمعت عليه الأمة وصار معلومًا من الدين بالضرورة كأصول العقائد وفرائض الإسلام من وجوب الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، كل ذلك لا مجال للخلاف فيه ، فهي أمور توقيفية لا تتغير بتغيّر الزمان ولا المكان و الأحوال ، فمجال الاجتهاد هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي الثبوت والدلالة .

2-  مع تقديرنا الكامل لآراء الأئمة المجتهدين فإننا ندرك أن بعض الفتاوى ناسبت عصرها وزمانها ، أو مكانها ، أو أحوال المستفتين ، وأن ما كان راجحًا في عصر وفق ما اقتضته المصلحة في ذلك العصر قد يكون مرجوحًا في عصر آخر إذا تغير وجه المصلحة فيه ، وأن المفتى به في عصر معين ، وفي بيئة معينة ، وفي ظل ظروف معينة ، قد يصبح غيره أولى منه في الإفتاء به إذا تغيّر العصر ، أو تغيّرت البيئة ، أو تغيّرت الظروف ، ما دام ذلك كله في ضوء الدليل الشرعي المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة .

3-  أننا نؤمن بالرأي والرأي الآخر ، وبإمكانية تعدد الصواب في بعض القضايا الخلافيّة، في ضوء تعدد ظروف الفتوى وملابساتها ومقدماتها ، وإذا كان بعض سلفنا الصالح قد قال : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ، فإننا نذهب أبعد من ذلك فنقول : إن كلا الرأيين قد يكونان على صواب ، غير أن أحدهما راجح والآخر مرجوح ، فنأخذ بما نراه راجحًا مع عدم تخطئتنا لما نراه مرجوحًا ، ما دام صاحبه أهلا للاجتهاد ، ولرأيه حظ من النظر والدليل الشرعي المعتبر ، فالأقوال الراجحة ليست معصومة ، والأقوال المرجوحة ليست مهدرة ولا مهدومة .

4-  أن تسارع وتيرة الحياة العصرية في شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية ، إضافة إلى التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيّرات السياسية ، كل ذلك يحتم على العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه المتغيّرات ، ويعلم الجميع أن الإقدام على هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرًا ، ويحتاج إلى جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات ، غير أننا في النهاية لابد أن ننطلق إلى الأمام ، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود .

       مع التأكيد مرة أخرى أن هذا التجديد ينبغي ألا يتجاوز ثوابت الشرع ، وأن ينضبط بميزاني الشرع والعقل ، وألا يترك نهبًا لغير المؤهلين وغير المتخصصين أو المتطاولين الذين يريدون هدم الثوابت تحت دعوى التجديد، فالميزان دقيق ، والمرحلة في غاية الدقة والخطورة ، لما يكتنفها من تحديات في الداخل والخارج ، فالمتخصص المؤهل إذا اجتهد فأخطأ له أجر ، وإن اجتهد فأصاب فله أجران ، الأول لاجتهاده والآخر لإصابته ، أما من تجرأ على الفتوى بغير علم ، فإن أصاب فعليه وزر ، وإن أخطأ فعليه وزران ، الأول لاقتحامه ما ليس له بأهل ، والآخر لما يترتب على خطئه من آثار كان المجتمع والدين معًا في غنى عنها ، في ظل أوقات تحتاج إلى من يبني لا من يهدم .

مقالات ذات صلة