التجارة بالدين والوطنية

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      التجارة أنواع أهمها وأفضلها هو التجارة مع الله (عز وجل) ، يقول سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” ، وقد عبر النص القرآني بقوله تعالى : ” تُجَاهِدُونَ ” ، والجهاد غير القتال ، لأن الجهاد الأكبر يكون بالعمل والإنتاج ، وعمارة الكون ، والحرص على مكارم الأخلاق ، وحسن تربية النفس ، وأداء الحقوق والواجبات .

      وإلى جانب هذه التجارة الرابحة هناك تجارة رابحة أخرى هي التجارة الحلال التي تراعي مصالح البلاد والعباد ، وتعمل على توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع ، وتسهم في دفع اقتصاد البلاد إلى الأمام ، غير أن هناك تجارات موبوءة أو محرمة أو خبيثة أو قذرة كتجارة المخدرات ، التي تستهدف الفتك بشبابنا وأبنائنا وقتل وتدمير قدراتهم الإنتاجية ، وجعلهم عالة على المجتمع بدلا أن يكون إضافة له ، وتجارة السلاح خارج الأطر القانونية ، ذلك السلاح المستخدم في القتل ، والتدمير ، والتهديد ، وترويع الآمنين ، ويلحق بتجارة السلاح كل ما يدخل في حكمه من صناعة المتفجرات وغيرها من كل ما يؤدي إلى القتل أو التشويه أو الإعاقة ، وإلى جانب هاتين التجارتين الموبوءتين هناك لونان من التجارة لا يقلان خطورة بل هما أشد ، هما التجارة بالدين والتجارة بالوطنية .

      أما التجارة بالدين فقد اتخذت أشكالا عديدة ، منها : توظيفه سياسيا لمصالح حزبية ، أو شخصية ، أو انتخابية ، ومخادعة الناس باسم الدين وسمته .

       غير أن الخطر الداهم والسم الناقع يكمن فيمن باعوا أنفسهم للشيطان وأعداء الدين والوطن ، من : الشخصيات، والجماعات ، والتنظيمات المأجورة ، ممن يعملون من خارج  مصر على زعزعة أمن الوطن واستقراره ، واستهداف أمتنا العربية ، والعمل على تفتيت كيانها ، والاستيلاء على نفطها وخيراتها .

     ونؤكد أن ما يقوم به هؤلاء المجرمون من تحريض على أوطانهم يتنافى مع كل القيم الدينية والوطنية والإنسانية، وينبغي على كل وطني مخلص أن يعلن تبرأه من هؤلاء وأفعالهم ، كما نرى أن مد هؤلاء الخونة بأي معلومات عن الوطن وما يدور فيه من أحداث يعد خيانة وطنية تستوجب المساءلة والمحاسبة .

     وأرى ضرورة التحفظ على أي أموال أو ممتلكات لهؤلاء الأشخاص بحكم انتمائهم إلى الجماعة الإرهابية ، فإذا كان الملحق بالشيئ يأخذ حكمه ، فكيف بمن كان عضوا رئيسا عاتيا في الإجرام ضالعا في التحريض على وطنه ؟ كما أرى إصلاح كل ما أفسده أو يفسده أعضاء جماعة الإخوان من أموال الجماعة المتحفظ عليها .

     كما أنني أحذر بشدة من الخلايا النائمة المعروفة بالمتعاطفين, لأنها توفر الغطاء الأدبي لتحرك أعضاء الجماعات الإرهابية, ويؤكد على خطورة تحكم أي منهم في مفاصل الدولة التنفيذية, لأنهم بلا شك يحرصون من داخلهم على إعاقة مسيرة الدولة, ويتمنون تفككها لصالح الجماعات الظلامية الآثمة, ولا فرق بين إن كانوا مقتنعين أو مضللين ، لأن النتيجة واحدة , وهي الخطورة على أمن المجتمع وسلامته.

     وأما فيما يتصل بالمتاجرة بالوطنية أو قضايا الوطن فإني أذكر بعض مما ذكره فضيلة الشيخ/ الشعراوي (رحمه الله) من أن الاستعمار عندما خرج من بلادنا ترك له أعوانا يقولون ما يحب ، ويروجون لما يحب ، ويعملون لما يحب، فالاستعمار وإن كان قد رحل بجيوشه ، فقد بقي برجاله الذين صنعهم على عينه ، على حد قول الجواهري :

ولقد رأى المستعمرون فرائسا

منا وألفـــــوا كلب صيد سائبــا

فتعهدوه فراح طوع بنانهـــــم

يبـــرون أنيابا لـــــه ومخالبـــــــا

مستأجرين يخربون بيوتهـــــم

ويكافأون على الخراب رواتبا

     فهناك من يتاجر بالدم ، وهناك من يتاجر بالحريات ، وهناك من يتاجر بحقوق الإنسان ، ومع أننا أول من يدعو إلى أهمية حفظ الدماء وعدم المساس بحرمتها للناس جميعا دون تفرقة ، ومع إيماننا بالحريات المنضبطة ، ومراعاة حقوق الإنسان في العيش الكريم ، والعدالة ، والحرية ، والكرامة الإنسانية ، فإننا نستنكر بشدة المتاجرة بهذه القضايا على حساب الأمن القومي للوطن ، كما نستنكر ازدواج المعايير الغربية في التعامل مع حقوق الإنسان , ودفاع بعض الأشخاص والجهات والهيئات به عن تصرفات الجماعات الإرهابية التي تشكل خطرًا على أمن وطننا وأمتنا العربية .

     وأرى أنه لابد من اصطفاف وتحرك عربي سريع جدًا للضغط على الدول التي تأوي الجماعات الإرهابية, والتي تتبنى وترعى قنوات فضائية تحث على العبث بأمن منطقتنا ، واتخاذ مواقف حاسمة وموحدة تجاهها, قبل أن يستشري خطر الإرهاب ليعصف لا بأمن المنطقة فحسب , بل بأمن العالم, مؤكدين للمرة المائة أن الإرهاب يأكل من يدعمه والصامتين عليه والمترددين في مواجهته .

وفي الختام أؤكد أن تلك الدول التي ترعى الإرهاب وتأوي قيادات جماعة الإخوان الإرهابية وغيرهم من الإرهابيين الذين يدعون جهارا نهارا إلى العنف والقتل وسفك الدماء ستجني حسرة وندما ، وسينقضون عليها إن اليوم وإن غدا ، وإن غدا لناظره قريب .

مقالات ذات صلة